هاجس فقدان شيء ما ميزة مترسخة في ذات الإنسان منذ الوجود، إذ يتخلل حياة الإنسان أنواع عديدة من الفقدان، فهناك فقدان الناس، وهناك فقدان التاريخ، وهناك فقدان القيم، وفقدان الممتلكات وغيرها من أنماط الفقد، وأهم هذه الأنماط وأصعبها هو فقدان القائد والملهم وما قد ينجر عنه من تفسخ في المنظومة التابعة للقائد المفقود، يظهر من صلب هذه الطروحات (الفقدان) طرح جديد نتج عن تسارع وتيرة الحياة وتفاعل علاقة الإنسان بالتاريخ، هذا الطرح هو فقدان الشعوب، فهل سمعت يومًا عن قائد ضيع شعبه؟ هل فكرة تسرب الشعوب ونزيفها فكرة عقلانية؟

أعطت العولمة منهج تفكير جديدًا لفهم العالم، لا يمكن لأي شعب تبنيه إلا إذا انسلخ عن ذاته الحضارية، حيث هناك عالم محور التفاعلات فيه الاقتصاد والحكومة العالمية، والقانون الدولي، والشركات العابرة للقوميات، يقبع فيه الانتماء والدين والحضارة في المتحف، على هذا يتم تحديد ما هو الركب ومن يمكن أن يتخلف عنه ومن يمكن أن يواكبه، وهنا يصبح طرح أي نهضة مستخلصة من الذات طرحًا مقصيًا يفضي الأخذ فيه إلى سياقات أخرى ودلالات أخرى نفصل فيها خارج أسطر هذا المقال.

لطالما كان التاريخ ملهم الحضارات والأمم وكان مصدرًا يبعث على الفخر والتمايز والشعور بالانتماء الروحي، هذا الرصيد الضخم من الموروث الهوياتي تم إقصاؤه في بناء المنظومة العالمية الجديدة، ولم يبقَ له منها سوى أنه يصلح مسوغًا لتغذية الصراعات والحروب وتأجيج النعرات العنصرية الانفصالية، وكان العالم لم يعد بحاجة إلى الحضارات ولا للتاريخ، فقط نحتاج لمن يكسب أكثر ويدفع أكثر والذي يمتلك التقنية.

هذه الشروط المجحفة التي يجب الالتزام بها للولوج للعالم الجديد، أدخلت عديد الشعوب في حالة من التيه (التوهان) فهي لا تملك المقدرات على الدخول إلى ذلك العالم المشع بالأضواء، ولا هي قادرة على الثقة في أنظمتها التي لا تملك أي سبل أمام هذا العالم، حالة التيه هذه لم تكن نتيجة فقط بل أصبحت مفاعلًا دفع الإنسان إلى الارتداد للتاريخ، ليعيش عزة وشموخ السابقين، وينادي بالانتماء لديهم ويثور لأي محاولة تأريخ تجرح فيهم، ويتناغم مع أي إعجاب وإشهار لهم، هذه الحالة الناتجة سواء بالقصد أو عدمه أحدثت شرخًا عميقًا بين الشعوب وحكامها، فالحكام يمثلون أممهم في منابر حديثة كالأمم المتحدة وغيرها من المسارح الرسمية، في حين يتخذ الشعوب سياقًا آخر يتمثل بالسير على نسمات التاريخ والأجداد، فالعالم الحديث يحسب الأزمات والحروب بطريقة براغماتية ويخضعها لميزان الربح والخسارة، في وقت ما زالت تتحرك مجتمعات فيه على أهازيج التاريخ والحضارات السابقة، فأصبحت أهمية المدن والدول عندهم تنبع من التاريخ لا الموقع في الجغرافية السياسية، فلطالما كانت تعني العراق للمسلمين مكانًا لتذكر الحزن والكروب والفرقة، على عكس ما تعنيه مدينة إسطنبول لهم من تفوق وانتصار، في حين يرى الرجل الغربي العراق وإسطنبول ساحة نفوذ ومصالح يجب السيطرة عليها بتلقين سكان المنطقة التاريخ من جديد.

بطبيعة الحال ليست كل الشعوب مغلوبةً على أمرها ولا تقدر على اللحاق بالركب، فهناك شعوب انغمست في الثورة الرقمية، وراحت مجتمعاتها تنسلخ من ذواتها مكونة بذلك مجتمعات رقمية إلكترونية، هذه المجتمعات في الغالب ما تكون مبنية على أنقاض عدم التناسق والانسجام في المجتمع ورفض الآخر، إذ حقق التواصل واختزال المسافة والوقت والمال سهولة في تكوين أطياف ومجموعات من نفس النوع في النفسيات وطريقة التفكير، إذ أصبحنا نجد رجال الأعمال يتواصلون مع رجال الأعمال في القارات والدول الأخرى، الرياضيين مع نظرائهم من الرياضيين عبر العالم، والمتشددين والمثقفين والتجار وغيرهم من الأطياف الاجتماعية الأخرى الذين يتواصلون مع نظرائهم في البلدان الأخرى غير مهتمين بمجتمعاتهم الأصلية، هذا الوضع أعطى شعورًا كوزموبوليتانيًا بالانتماء عبر القومي، ومن جديد نجد العالم الحديث يلقي بظلاله على الشعوب ويوسع الشرخ أيضًا.

مخطئ من يعتقد أن الحالتين السابقتين منفصلتان عن بعضهما البعض وكلتاهما نقيضة الأخرى، فالبعد الأول والذي يعتبر بعدًا قيميًا حضاريًا، يتواءم مع البعد الثاني الإلكتروني المعولم، بطريقة عكسية فصحيح أن اتجاه انطلاق كل منهما عكس اتجاه الآخر، فإنهما ينسجمان في عملية تسرب الشعوب وضياعها من حكامها ودولها، فالإفراط أو التفريط بالشعور أفرغ الدول من الشعوب، وأصبحنا بحاجة إلى خارطة ديمغرافية جديدة تحاكي الواقع المعاش، فقد أصبحنا نجد طبقات اجتماعية في دولة شرق أوسطية تشعر بالانتماء لدول أخرى وتقدم لها الولاء على حساب الدولة صاحبة الإقليم، فأصبحت المجتمعات تتمتع بالولاء لدول أو منظمات خارج حدود الدولة، فأصبح في المجتمع أفراد إيرانيون أو أتراك أو سعوديون أو حتى قطريون ربما أكثر وطنية من مواطني هذه الدول أنفسهم.

على الدول أن تتفطن لهذه السيولة في الانتماء والتفكير والولاء، فالمجتمع أصبح عبارة عن مجسم مصغر عن طيف العلاقات الدولية،طائفة مع الدولة (أ) وطائفة مع الدولة (ب) والأخرى مع الدولة (ج)، لكن أين الشعور بالانتماء للوطن الأم التاريخي والبيولوجي والسياسي والعقائدي؟ هذه الظاهرة آخذة في الانتشار والتفشي وتتطلب التدارك واللحاق بها قبل أن يستفيق الحاكم وقتها سيسأل: أين ذهبت الرعية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد