الفن فطري أم مكتسب؟ ربما إذا تحدثنا عن الموهبة، بالجهد والعمل يمكن أن نفعِّل الإتقان، وبدوره يقوم بتفعيل الفن، وهكذا الأمور تسير، لكن الوضع الذي تعيشه معظم الدول العربية، وضع مزري، الفن غير موجود بتاتًا، الرداءة الفكرية، الرداءة في الأدب عامةً، والرداءة في معظم الفنون، لا وجود للإتقان. ما السبب في اختفاء الفن؟ ما سبب غياب الإتقان ؟

الفن فطري ومكتسب في الوقت ذاته، الفن موجود في الكون حتى قبل وجود الإنسان، ما هذا المداد الهائل من السواد؟ ملايين النجوم والكواكب والمجرات، وهذا التناسق العظيم، هذا بذاته أكبر فن، فن صانع عظيم. ولما جاء الانسان إلى هذه الأرض، بالقياس لما مر به منذ البداية حتى النهاية، أو حتى اللحظة الراهنة بتعبير أدق، نجد أنه قطع شوطًا كبيرًا، ابتدع العديد من الأشياء، وأنتج، وطور من مهاراته مستعينًا بالعقل، وبه أصبحت الطبيعة تحت سلطته، وسيَّرها كما شاء، إلا بعض الظواهر الخارقة التي لا قدرة له على مجابهتها، لكن بالنظر لما اخترعه هذا الإنسان، فيجوز القول أنه سيد الأرض.

أما الفنون التي ابتدعها الإنسان وحسَّنها لأفضل شكل حتى الآن، فهي مهولة ورائعة، منها القراءة والكتابة، والرسم، والنحت، والغناء، والعزف، وكثير من الأشياء، لكن سنركز على الوضع الراهن، في السابق كان الإبداع والفن يتجاوز الـ80%، لكن في الوقت الراهن، أصبحت الساحة رديئة نوعًا ما، غلبت التفاهة على الفن والإبداع، ولهذا يجب أن نحدد المشوشات، التي تتمثل في الاختراعات، والأجهزة الإلكترونية مثل الهواتف والحواسيب، وما تحويه من تطبيقات، هذه الاختراعات مسيرة من طرف شخص لديه الحق في الاختيار، اختيار استعمالها في الصواب وما فيه نفع، أو في التفاهة والانحطاط، وهذه الاختراعات، أو بعضها المفعل بطريقة غير صائبة أحد أسباب غياب الفن، لأنها سهلت كل شيء، ولم تعد لمسة الإنسان الذي ألِفناها موجودة، وهذا هو الأخطر، انقلاب ما صنعناه علينا.

انقضت فترة الملحنين المبدعين، ولن نذهب بعيدًا، لنحضر أقرب صور لنا، أقرب الفنانين الراحلين أمثال، الموسيقار رياض السنباطي، والموسيقار محمد عبد الوهاب، ومحمد الموجي، وبليغ حمدي، والقصبجي، كثير من الملحنين المبدعين لا وجود لأمثالهم حاليًا، رحلوا ومن حسن حظنا تركوا لنا فنهم، ولن ننسى سيدة الغناء العربي كوكب الشرق، والعندليب عبد الحليم، ووردة الجزائرية، ومحمد الحياني المغربي، وعبد الوهاب الدكالي، وإبراهيم العلمي، وإسماعيل أحمد، فايزة، وغيرهم العديد من فناني الغناء، وأيضًا لا يمكننا نسيان ذلك الصرح العالي من الكلمات للشعراء والأدباء الواقفين وراء الكواليس، مثل أحمد رامي بالدرجة الأولى لأم كلثوم، ونزار قباني، وأحمد شوقي، وكامل الشناوي، وعبد الوهاب نفسه، وإبراهيم عيسى، الكثير من الفن قد ضاع.

أما من الناحية الأدبية فلن نكتفي بمن ذكرهم نظرًا لبصمتهم القوية، طه حسين، نجيب محفوظ، يوسف إدريس، وتوفيق الحكيم وغيرهم من أدباء العرب جميعًا، وشعرائهم كذلك، كانت فترةً صاخبة، زاخرة بالإبداع والإتقان الغائبَين الآن نوعًا ما.

الآن قليلًا ما نجد الفن واللمسات الإبداعية، قليلًا ما نجد شخصًا يتقن عمله، وفي ذكر هذا، أجابت السيدة أم كلثوم حين سألها أحدهم عن السر وراء إبداعها الغنائي؟ فقالت السر هو «إني بحبه»… بمعنى أنها تحب عملها، وهذا الأساس، لا وجود للإبداع والإتقان والحب غائب، غياب الحب هو السر وراء اختفاء وغياب الفن كثيرًا في عصرنا هذا، لأن الأغلبية الساحقة تعمل في مجالات لا تحبها، هي مرغمة فقط على فعله، فقط، أما أن تبدع وتتفنن فهذا يرجع إلى الحب الغائب.

العديد من المجالات افتقدت الفن، وذلك سببه أيضًا الواجهات الإعلامية بالدرجة الأولى، لأنها لا تلقي عليه الضوء، فعلًا يوجد الفن بنسبة قليلة لكن الإعلام، أو بعضه لا يلعب دوره، ويهمل الفن والجمال، ويتبع التفاهة والانحطاط، ولنأمل في مستقبل أجمل يملؤه الفن والحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد