كان ما حدث يوم 3 يوليو 2013 هو انقلاب علماني عسكري؛ مقصود به قطع الطريق على أي تواجد سياسي للإسلام وتياراته التي تتبناه، ولأن هوية الأمة ما زالت هي الإسلام، فإنها لا تُخرج من دينها إلا من خلال قمع يرافق تضليلًا. والمقصود بالقمع أن يكون مستأصِلا ومخيفًا (الفلوجة ـ رابعة ـ حلب)، يعقبه فرض العلمانية ونفي ثوابت الدين وإقرار وإشاعة الإباحية وإفساح الطريق لكل طاعن، بل تأجير وتحفيز الطاعنين وغلاة الملحدين. وخلف هؤلاء يقبع الفساد الأخطبوتي البشع المتعرّي من الدين والذي يرى فيه خطرًا على فساده؛ فاستوى في أثره مع العقائد المعادية للإسلام.

رزقت الأمة بقِلة من العلماء والرموز ثبتت، لكن تبحث عنهم وتفتش لتجدهم، كما رُزئت برموز ومشاهير خانوها في أحلك المواقف. الآن، يصرخ المشاهير والرموز من الشيوخ – وهؤلاء الصارخون أحسنهم! – يصرخون من فلان وعلان ممن يعتدي على صحيح السنة أو ينكر ثوابت الدين (البحيري ـ ميزو ـ الجندي، وغيرهم كثير وكثير) في صورة هي أقرب إلى إدمان الانتقاد الجزئي على هامش الحياة بينما الحياة نفسها تسير كما يخطط العلمانيون، وكأن هؤلاء – بانتقاداتهم – جزء من الصورة لابد منه!

الصراخ هنا ليس بطولة بل هو ادّعاء، ولن يعالج ما ضيعوه؛ إذ كان الموقف الأشرف والأكرم هو رفض العلمانية من الأساس ورفض انقلابها ورفض الخداع وإسقاطه، ولكنهم لم يفعلوا؛ فما بين صامت – وإن تكلم طعن في الصامدين – أو متطوع في الباطل؛ يقول زورًا وينطق فجورًا.

إنهم لم يقدموا أنفسهم للأمة كمعلِّمين أكاديميين أو وعاظ لا شأن لهم بالأمر العام، وكان هذا أشرف لهم وأكرم؛ ولكنهم تقدموا كرموز متبَعة يطلبون من الأمة أن ترتب موقفها خلفهم، وعندما وقفت الأمة على مفرق الطريق وشفير الهاوية لم يعصموها من ضلال، بل ركلوها لتسقط!

ومن اختار الصراخ من كل طعنة فسيصرخ طويلا؛ إذ سيأتيهم نهر لا ينتهي من قاذورات العلمانية وعفنها، ستأتيهم أمواج وتنوعات لا نهاية لها من الطعن والإلحاد والإباحية؛ فمن سقوط الهمة أن ينصرفوا لمواجهتها موقفا موقفا؛ إذ كان رفض أصل الباطل وأساسه أعقل وأشرف، وأرفع عند الله تعالى وعند المسلمين.

الأعجب والأغرب أنه لما جاءهم من يحترمهم ويقول لهم أريد إقامة الدين فساعدوني وادعموا إرادة الأمة ودينها تمطّوا واستعلوا وقالوا له في كبرياء عجيب (انتظر كلمة العلماء)! والخطب مفجع إذ خلفياتهم مشكوك فيها وعلاقاتهم غير سوية ومفاهيمهم للدين مضطربة؛ فبماذا سينطقون؟! ومع ذلك لم يُمهَلوا فجاءهم آخر ورفع السوط وأخرج ملفاتهم على المكاتب وخيّرهم؛ فاختاروا شرعية الطغاة ودعم العلمانيين وتغطيته بغطاء شرعي تبرعوا به، واستخدموا شهرتهم خادمين له صارفين الأمة عن موقفها التاريخي.

وبعد أن كانوا يطرحون أنفسهم كقيادات للأمة رجعوا في المواقف الفاصلة الى (مستوى القرية!) فلما قيل لبعضهم إن البنات تُغتصب قال: لم يحدث في قريتي! قيل له إن الشباب يُقتل، فقال إن عددهم قليل!

وفي النهاية عاشوا مع العلمانية في تبات ونبات، وخلّفوا فضائيات وكاميرات! واستأنفوا الحديث عن صلاح النفوس التي توشك أن يجرفها تيار قاسٍ من التجريف القسري للإسلام وأصوله وأخلاقه وآثاره، ويوشك الناس أن يفقدوا أبناءهم في تعليم مزوِّر للواقع بعد أن زوَّر التاريخ، وتلاعب بأصول الإسلام وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إعلام ينشر الرذيلة مستنكرا لدور الفضيلة، ولمن يقولها، وللمصادر التي تُستقى منها!

يجب أن تحذر الأمة من هؤلاء؛ فإنهم إن لم يكونوا متفقين مع الأنظمة المستبدة فهم ضعاف ينقلبون ويتراجعون، وإن أخذ الناس منهم فمما لا يمس عقائدهم أو مواقفهم الفاصلة، وليبقوا في دورهم الأكاديمي والوعظي إن أحسنوه.

إن أخلاق العبيد أضحت مشكلة قومية، وكم يكتسي دعيٌّ ثوب البهاء، لكن الثوب واسع ولا يقبع تحته إلا العبيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صراخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد