الطاقات، والمواهب المهدورة بين المؤسسة والاسرة

المدرسة هي الملجأ الثاني للفرد بعد الأسرة، بل إن الفرد في مخيلته أن هذا الملجأ الذي بصدد ولوجه؛ سيقدم له ما عجزت الأسرة عن تقديمه له، كما أنه موقن بأن أسرته لن تسلمه هكذا إلا لمن هو أهلٌ للتسليم؛ إذ إن لم يكن أقدر منها فلا يكون دونها البتة.

إلى هنا الفرد مطمئن بالنسبة لما هو مقبل عليه، وإلى هنا الفرد في كماليات الإنسانية، لكن بمجرد الانخراط في الجو المدرسي تبدأ وتيرة الطمأنة تنقص شيئًا فشيئًا، وتبدأ معالم الفطرة الإنسانية تُشاب ويتخلَّلها الكثير من المتعلقات الترابية، والفوضى، وتعكُّر المزاج، والسبب في ذلك، ومن وراء ذلك بالتأكيد ليست المدرسة منفردةً، لكن حصتها الأكبر والأوفر بكل تأكيد.

تبدأ المرحلة المدرسية بجو معاكس تمامًا لما سرده الطالب في مخيلته، وهو في الحضن الأول «الأسرة»، أقسام مكتظة، أعداد هائلة من الطلاب ومتباينة في جوانب: النفس، والرأس مال الثقافي، والتربوي، والاقتصادي، والاجتماعي.

الأقسام المكتظة التي يصل تعدادها إلى أكثر من 35 تلميذًا، هذا الاكتظاظ له انعكاسات سلبية على المستوى النفسي والتحصيلي للطالب.
الجانب النفسي: بمجرد أن تتغيّر الصورة الذهنية التي وضعتْ مسبقًا في مخيّلة الطالب حول المدرسة، وحول المدرس، وحول الجو العام المدرسي، تكون بِمثابة الضربة الأولى التي يتلقاها الطالب من جانب المدرسة؛ إذ تصيبه المدرسة في مقتل – النفس- حيث الشعور بالخيبة، والمفارقات وألا تحقيق، وأكثر ما قد يهز إنسانية الإنسان أن تعمل على مسه وخدشه نفسيًّا.

وفي رحلة اكتشاف خبايا المدرسة العمومية، وليست الخاصة؛ لأن عامة الناس محرومون من هذه الأخيرة لندرتها، وحتى وإن وجدت فمعظم الناس من طبقة كادحة لا يمكن لأبنائهم الانضمام إليها لقلة دخلهم المادي.

الرحلة التي لا دخل للطفل فيها. الرحلة التي يصعد على متن المترو الخاص بها ولا يعرف حتى من دفع ثمن التذكرة، ولا حتى متى يصل؟. الشيء الوحيد الذي يدركه: توقيت بداية الرحلة: الساعة الثامنة صباحًا لا مساءً؛ لأن قوانين الرحلة أصعب مما قد يخطر على باله؛ ولو عرف قوانينها من قبل لما سافر بالمرة أو قصد غيرها.

الرحلة المفروضة بحكم التقليد الشعبوي، والقرار الجمعي الموحد بضرورة انتماء الأبناء للمدرسة، وبحكم العادة؛ لأن الانضمام إلى هذه المدرسة أضحى عادة وعرفًا، ومن تخول له نفسه غيرها يقع في شرك اللوم والمعاتبة، وبحكم كذلك معطيات العمل الجديدة المربوطة جديًّا بالشهادة المدرسية؛ لذا الانضمام إليها يعد نوعًا من ضمان «أكل عيش» أكثر منه أي شيء آخر.
كما أن قرار السفر في هذه الرحلة، الذي كما قلنا خارج إرادة صاحب الرحلة نفسه، الطالب، ليس حبًّا في العلم والمعرفة والبحث واكتشاف الجديد؛ إنما هو لأن الجار والعم والخال أدخلوا أبناءهم هذه المدارس، ولأن حصولك على عمل الذي قد يؤمن لك مستقبلًا معينًا مرتبط بهذه الرحلة.
وفي رحلته يتوج بخيبة أمل جديدة، لكن هذه المرة من طرف من ظنَّ أنه سيكون بمثابة أبيه الذي تعود عليه في الملجأ الأول، من الأستاذ بقسوته وعنفه بشكليْه المادي والمعنوي، واللا مبالاة، وضعفه التواصلي. في مخيلته أن الأستاذ أقرب للملاك؛ لأنه ذلك الشخص الذي يعطي المعارف، ويُكسب المعالي، وهذه الأشياء من يُكسبها لا بد أن تكون معاملته مختلفة عمن عرف من قبل، وإذا بالصورة الملائكة تتحطم وفي أسرع ما يمكن أن يتخيل.
هذه المعاملة، والوقوف على هذه الحقيقة، يرمي بالطفل في سبعين خريف مهما كان مستواه الذكائي، أو النفسي، أو الاجتماعي.

بهذه الحقيقة تنكسر نفوس خلقت قوية، وتضمحل عزائم وتُنهب قدرات؛ لذا انكشاف قسوة الأستاذ وعنفه ينعكس بالسلب على نفسية الطالب، بل هي بداية لبذر بذور الخوف، والقلق والاضطراب، والفقدان الذاتي، والاستخلاف العنفي.

الأكيد أن الأستاذ لن يخرج من دائرة اللوم، لكن هنالك عجينًا ممزوجًا بفضله تشكلت شخصية الأستاذ الخشنة القاسية المفَرِّطة، والجو العام المحيط بالطالب، ورسولنا – عليه الصلاة والسلام- يقول في هذا الباب باب القسوة: «من لطم مملوكًا أو ضربه فكفارته أن يعتقه» هذا في حق المملوك، فما بالك بحق الحر، وليس الحر فقط، بل من كُلِّفنا بالقيام بهم، والاعتناء بهم حق العناية .
هولاء الَّذين كان بأبي هو وأمي، ينزل من على المنبَرِ ليحملهم على الأكتافِ تكريمًا وإجلالًا، واليوم بعد التحول لمائة وثمانين درجة أصبح الطفلُ عالةً ومصدر توتر وإزعاج، وآخر من يُنظر إليه أو يقيِّم أو يسمع له، بل الذكي فينا المرتوي من ماء عين القيمة والمعنى يُكْرِمه بحرمانه من خبرة الأقدمين بمنعه من مجالسة الأكابر، بينما معلِّمنا كان يعطي لهم الوقت والجهد ويشير إليهم بالبنان كرامةً، ويجلسهم بين الأنامِ الأقحاح. كما أن حاله كمربي كان يسطر ويخط لنا بالبنط العريض أهم قواعد التربية، ألا وهي: كيفية بناء وتكوين الكينونة؛ التي هي العمود الفقري للإنسان، كما كان يعاملهم وينظر إليهم من كوة الكرامة الإنسانية التي افتقدتها مجتمعات إسلام اليوم.

في رحلة الموجود المفروض التعليمي التربوي، تتعاضد الجهود لتهدم عن قصد أحيانًا، ومن غير قصد أحيانًا أُُخر.
عندَما يُحاطُ الطَّالبُ بأشكال العنف في البيت من عدم احترام وإساءة، وعدم تقدير، وإطالة اليد، ويذهب إلى المدرسة ليجد المعاملة نفسها أو أشد، هنا نبدد طاقتنا بيَّدٍ موحدة، هنا نرمي بطاقاتنا خارج أسوار العطاء العائد على الذات والمجتمع بالخير والبركة. عندما يسْخر ويستهين ويستهزئ: الأستاذ بالطالب في حجرة الدّراسة، ثم يعود إلى مسكنه فإذا بالأهل يقدمون له ضربة لن يقال عنها: غير القاتلة، حيث يشوه وينتقص ويُّهان أمام أنظار ومسامع من هو في ربيعه وغير ذلك.

عندما تُهمِل الأسرة ابنها وتتخلى عن دعمه ماديًّا ومعنويًّا، ولا تقدم له أبسط أشكال الدعم وتكتفي بأنها قطعت له تذكرة السفر التي لم يعرف بدء وجهتها ولا أغوارها، وعندما تقتُر وتَنكمشُ يد الدعم المالي وتتخذ قرار البخل، فهي تضحي به بشكل من الأشكال.
القول: إن التبذير على التعليم من إحدى القنوات التي تُجيِّز التبذير؛ لذا عدم التبذير عليه في الجانب العلمي يعني أن الأسرة تساهم كغيرها في وأد طاقة إنسانية قبل كونها مخصوصة اجتماعية.

مدارس بأعداد هائلة من الطلاب، وشح في الأساتذة مقصود وكيف لا؟ والأقسام مكتظة، والأساتذة في البيوت، أو على المقاهي، أو في الشوارع، أو في أعمال لا يفقهون فيها شيئًا ينتظرون إشارة فقط، مع أنهم بأعلى درجات المنظومة التعليمية.
أقسام مكتظة مزدحمة، ضغط رهيب على نفسية الطالب والمدرس نفسه. ناتج هذا لا محالة التضحية بالطاقات لا غير؛ إذ كيف سينفع الأستاذ أصحاب الذكاء المتوسط فضلًا عن الضعيف؟ 35 تلميذً؟ا في الحجرة الواحدة ليس بالأمر الهين، مع سبق حسن التفاؤل سنتجاوز ضعف الأساتذة العلمي والثقافي والحسي الجمالي، لكن مهما حاولنا لن ينفع ولن يأتي بنتيجة مقبولة إلا مع أصحاب الذكاء العالي جدًّا الَّذين يأخذون في أسرع وقت، ولا يتَكلَّفون ولا يُكلِّفون جهدًا يُذكر لاستعابهم وأفهامهم.

بهذه المدارس والأقسام المكتظة والنفسية المتوترة المضغوطة المشحونة نضحي بالكثير من طاقاتنا، ونرمي بهم خارج مدارسنا.
مستوى الإنسان، وما حباه الله من قدرات، من سابع المستحيلات أن يحدد ويقاس ويدرك في سويعات، ومن خلال أسئلة من وضعها نفسه ناقص وقاصر في عديد المجالات والمسائل، بل إن الممتحَن قد يفوت الممتحِن في كثير مسائلٍ.
هذه أيضًا من طرق الفناء العلمي المستعملة من جانب المدارس، عن طريق هذه الامتحانات العقيمة البعيدة عن دراسات وقراءات واقع الحال، تضحي المدرسة بالمواهب والقدرات، خصوصًا في سنوات مبكرة من مراحل التعليم؛ لأن هذه الامتحانات إن لم تكن من أهم بنود خطة التخلص فمن ضمنها. الخطة المُبيتة المحاكة بليلٍ، التي من دوافعها وأسبابها تزايد أعداد حاملي الشهادات، وزيادة طلباتهم وآمالهم وأحلامهم المزعجة لصناع القرار.

المفروض أن التعليم كالأم تمامًا في حنانها، ورعايتها، واهتمامها الزائد، خاصة في سن الحبو، لا يمكنها أن تفرط بأبنائها ولا يمكنها مجرد التفكير في حرمانهم مما تصنع بيديها المباركتين، كذلك هو دور التعليم كالأم تمامًا، المحافظة على الطلاب وتقديم المعرفة والمعلومة بالمحبة والتساوي، والمعاملة بعدل ولباقة لا فظاظة، والاهتمام الزائد، خصوصًا في مراحل الحبو: الابتدائي، والإعدادي، والعمل الدؤوب من أجل بقائهم في المدارس.
بهذه الحال وهذا المآل يجب إعادة النظر في أسئلة التعليم، وما ينجر عنها من أسئلة، كلماذا نشيِّد المدارس؟ وهل بناء المدارس وطرح فكرة التعليم للتوظيف وللمنافسة وللاختيار المبني على التمييز؟ أم للتعليم في حد ذاته؟
تجلي التعليم في عقول الأفراد يساوي نهضة مجتمع، كما أن فكرة التعليم للجميع وانعكاساتها تختلف وتتنافى مع فكرة التعليم للمنافسة وانعكاساتها.

تتباين وتختلف الأطوار التعليمية، لكن هذا التباين لا يجب أن يمر علينا هكذا مرور الغافل. يجب أن نسأل وننظر ونلاحظ الفوارق جيدًا؛ حتى نعرف هل هذا الاختلاف صحي أم مرضي؟
يَدْرُس الطالب في الابتدائية ثم ينتقل إلى الإعدادية، ويجد نفسه قد تغيّرت نتائجه وحتى معاملته 180 درجة، ربما كان ذا نتائج ممتازة ثم أصبحت ضعيفة أو العكس. تغيُّر المفاهيم، والمصطلحات، والمقررات، من طور لآخر بشكل غير عادي. تغيُّر العقول والأشخاص والمعاملة والأجواء من حوله، وحتى نظرة الأساتذة ومعاملتهم له تغيَّرت، كل هذه المتغيرات ستنعكس بالسلب لا محالة على ذات الطالب ونفسيته وعقليته ورؤيته، بل نظرته للأشياء، وللعالم من حوله، كما أنها من أهم الأسباب المضحيَّة والنَّافيّة للطالب خارج جغرافيا المدرسة؛ إلا أنه نفيٌ مركب بعدم الاكتراث، ولا التألم، ولا الحسرة، ولا الندم للأسف ممن يتربَّعونَ على عرش المؤسسة التعليميَّة التربويّة ليس تشاؤمًا وسوْداوية معاذ الله، لكنها الحقيقة المعاشة لا غير.

الموضوع لا يمكن مسح كامل أجزائه بتفاصيل في مقال واحد، فضلًا عن إعطاء حلول ملموسة؛ لذا حاولنا الوقوف على نقاط معينة باقتضاب غايتنا من ورائها تحديد العطب للإصلاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات