شباب اليوم صناع المستقبل. ما أقصده الشباب العربي؛ هذا الكنز المفقود الذي بلغ عام 2013 نحو %63 من إجمالي عدد السكان البالغ 370 مليونًا والذي يمثل طفرة شبابية في المنطقة العربية، إن هذا العدد الكبير يتطلب منا دراسة أوضاعه والوقوف عند همومه وطموحاته باعتبار الشباب هم الرصيد الإستراتيجي وهم الثروة الحقيقية لذلك فالحديث عنهم حديث عن المستقبل والتحديات المقبلة، إن مشكلة الشباب تنبع بالأساس من خلل في سياسات التنمية والإعلام والتشغيل والتربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية والسياسية، الأمر الذي يفرض ضرورة مشاركة عدد كبير من العلماء والباحثين والكتاب والمفكرين وعلماء النفس والاجتماع على التربية والتعليم في وضع إستراتيجية مستقبلية تتبنى جيل الشباب وتساعده على تجاوز الصعوبات والمعوقات التي تعترض سبيله، وتساهم في ذلك الحكومات العربية، ومختلف مؤسساتها الشعبية والرسمية والنقابية والأسر.

في التقرير الاقتصادي الموحد لصندوق النقد العربي لعام 2015 يقدر حجم القوى العاملة بنحو 124 مليونًا بما يمثل 33% من إجمالي السكان وهو يعد من أعلى المعدلات عالميًّا، لكن في المقابل تقدر نسبة البطالة بنحو 11.3% حسب إحصائيات منظمة العمل الدولية والتي تتسم في كثير من الدول العربية بأنها ظاهرة طويلة الأجل.

لك أن تتخيل الأثر السلبي للبطالة على جوهرة العالم العربي بل على المجتمع من حيث مظاهر عدم التوافق النفسي والاجتماعي، أما في الجانب الأمني فلا شك أن هناك علاقة بين البطالة والجريمة فمن حيث لا يدري يَدفع المجتمع الشباب نحو الجريمة، فكلما زادت نسبة البطالة ارتفعت نسبة الجريمة بالإضافة إلى الإدمان, الشذوذ الجنسي, والقائمة تطول.

أما في الجانب الديني؛ كتب حسن التتان في صحيفة الوطن «زيادة جرعات الضغط الديني من قبل جماعات الدعوة والتبليغ للشباب العربي يعد أمرًا في غاية الخطورة، فهو إما يخلق لنا صفًا متطرفًا إرهابيًا من شبابنا المتدين، أو يصنع معسكرًا متطرفًا جديدًا يحوي بين جنباته ملايين الملحدين، وبهذا تكون الحملات الدعوية للانفتاح على الإسلام، خاصة في أوساط الشباب، تسير بطريقة مقلوبة، مما يعني زيادة حالات الضياع والتيه بدلًا من الإيمان والتسليم. واختتم مقالته «لو ظل الوضع على ما هو عليه اليوم، فإن نسبة الإلحاد سوف تتضاعف، وسوف تتضاعف معه موجة التطرف الديني، وذلك بفعل سلوكيات دعاة وعلماء دين لا يعيشون العصر، بل يعيشون داخل التاريخ بكل تفاصيله المربكة للفكر والثقافة والوعي الإنساني، وبهذا سوف تهبط أسهم الإسلام الوسطي، ليحل محله الإسلام الدموي أو الإلحاد الدولي، إنه التبشير «الخاطئ» للدين «الصحيح»».

كان الشباب بكل ألوانهم وطموحاتهم قد أشعلوا شمعة الربيع العربي، علَّها تأتي بإشراقة شمس النهضة العربية والإسلامية، لكن الأيديولوجيات الخفية حالت دون أن تمشي تلك السفن إلى معابر التخلص من القيادات الديكتاتورية التي تحكم الشعوب العربية لعقود خلت، وهي من حوّلها إلى شعوب تلهث وراء كسرة الخبز؛ لكي لا تفكر بأي طرق فكرية لنهضتها من اضمحلال حلَّ بها لم يحل من قبل. لكن! تم خذلان الشباب من جديد.

إن الشرخ الذي زُرع في قلب الوطن العربي لا يمكن لثورات أن تهدد حياته أو تهز كيانه. فالثورات تعني ديمقراطية، والشعوب التي سحقت منذ خمسين عامًا خلت لن تكون ديناميكيًّا مستعدة لتطبيق الديمقراطية والتعددية دون خوض معارك مع مخلفات وترسبات ما خلفته السياسات القديمة.

ومن منطلق الإنصاف يتحمل الشباب العربي جزءًا هامًا من المسؤولية فنحن بحاجة إلى شباب يعرف دوره ومسئولياته، دائمًا يبحث عن ذاته محاولًا تفجير طاقاته العلمية ليضع بصمة في طريق مستقبل منير، يواجه الصعوبات ليكتشف فيها اليسر، يبحث عن المعلوم يرى منه المجهول، ينادي في محرابه بأن ليس هناك شيء مستحيل أمام العمل والطموح، مؤمن بالله وواثق في قدراته التي وهبه الله إياها، نغوص في بحار هذه الفئة لنتعلم منها كيف نطمح وكيف نتعلم وكيف نبني مستقبلنا. وأكبر دليل على هذا الطرح هو ما يحققه الشباب العربي من تميز وإبداع في شتى المجالات في بلاد المهجر التي تساهم بأيدٍ خفية بغوص بلاده في وحل التخلف والجهل والاستهلاك السلبي للفكر والصناعة، وتقوم هي بأياديها الرؤوم بدعمه وتوفير ما يلزم لينتج ويخدم مصالحها وتعزف على وتر انتمائه المزدوج حين يحلو لها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد