أشارت دراسة اقتصادية صدرت عن جامعة الدول العربية أعدّها الدكتور أحمد عبد الوهاب عام 2001 إلى أن حجم الخسائر التي تتكبدها الدول العربية من جرّاء إهمالها إعادة تدوير النفايات البيئية تبلغ ما يقارب خمسة مليارات دولار سنويًا، وأن كمية هذه النفايات تبلغ حوالي 89.6 طنًّا سنويًّا، وهذه الكمية الهائلة كافية لاستخراج 14 مليون طن من الورق تبلغ قيمتها نحو مليارين و145 مليون دولار، كما تكفي لإنتاج 1.8 مليون طن حديد خردة بقيمة 135 مليون دولار بالإضافة لحوالي 75 ألف طن بلاستيك قيمتها 1.4 مليار دولار.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن هذه النفايات ترهق كاهل الحكومات العربية من حيث دفنها ومقاومة الآفات الناتجة عنها والأضرار البيولوجية التي يمكن أن تُلحقها بالبيئة والإنسان. ومن الجانب الصحي فإن نسبة انتقال الأمراض ستقل بشكل كبير فيما لو اهتمت الحكومات العربية بهذه الصناعة. وعلى سبيل المثال فإن مادة البلاستيك تستغرق سنوات عديدة للتحلل، وبعض المواد البلاستيكية غير قابلة للتحلل. ففي الدول المتقدمة تُصنّع أكياس بلاستيكية قابلة للتحلل وأقل ضررًا على البيئة، على عكس تلك الأكياس البلاستيكية التي تُصنّع محليًا والتي يستحيل تحللها وتلحق ضررًا كبيرًا بالبيئة.

وفي هذا السياق يمكن أن نُعدد بعض الفوائد الاقتصادية للاستثمار في هذه الصناعة المربحة، مثل تخفيض ميزانية عقود النظافة للعُمّال، خلْق فرص استثمارية بسبب توفر المواد الخام بكثرة، فتح المجال والفرصة أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للاستثمار في هذا القطاع، المساهمة في الحفاظ على البيئة، تقليل الاعتماد على استيراد المواد الأولية، توفير مشاريع صناعية جديدة، توفير فرص وظيفية جديدة، وغيرها.

إن مثل هذه الصناعات اليوم لا يمكن أن تنمو وتتقدم إلا من خلال اهتمام الحكومات ودعم المشاريع وتوعية المجتمع وتشجيع الشباب، وذلك يتطلب سنوات عديدة لغرس هذه الثقافة في المجتمعات العربية خاصة. أمّا التثقيف والتوعية في هذا المجال فيقع على عاتق الجهات الحكومية من خلال الحملات التوعوية وتخصيص منهج دراسي للناشئة في المدارس لغرس هذه المبادئ والقيم الفاضلة في أذهانهم منذ الصغر، كما أن المجتمع المحلي يلعب دورًا أساسيًا في هذا الجانب، وذلك من خلال تثقيف الأبناء وتوعيتهم والتطبيق العملي لهذه الثقافة في منازلهم.

بالمقابل فإن الدول الصناعية الكبرى قد انتهجت هذا النهج منذ عقود وجعلت من قطاع إعادة تدوير النفايات رافدًا مهمًا وداعمًا أساسيًا للتنمية لما يحققه من اكتفاء شبه ذاتي، وبالتالي تقل تكلفة استيراد المواد الخام. وهناك العديد من الأمثلة الحيّة لاهتمام الدول الغربية بهذه الصناعة العالمية التي أصبحت رائجة فيها وتدر المليارات لها. على سبيل المثال، تبنّت بعض الدول الصناعية مشاريع تهدف إلى تحويل النفايات الصلبة إلى طاقة «Waste To Energy»، وبذلك يتم توليد الطاقة  للعديد من المحطات الكهربائية المنتشرة في أوروبا، فيما يُستخدم الرماد الناتج من هذه العمليات سمادًا عضويًّا وأيضًا في البناء والتشييد.

السويد كذلك هي واحدة من هذه الدول الأوروبية التي نجحت في استغلال قطاع النفايات ومعالجتها لتوليد الطاقة الكهربائية، بحيث نظّفت هذه الدولة المدن والقرى والأرياف من النفايات تمامًا، بل وأصبحت المستورد الأكبر للنفايات في القارة الأوروبية ومن أكثر الدول نجاعة في هذه الصناعة، ولم تكتفِ بذلك فحسب بل أصبحت تستورد النفايات من الدول المجاورة لحرقها وتوليد الطاقة الكهربائية، وتعتبر أيضًا من أكثر البلدان الصديقة للبيئة، فقد نالت عاصمتها ستوكهولم جائزة أفضل عاصمة أوروبية صديقة للبيئة للعام 2010، وهذه الجائزة جاءت حافزًا لها لإعادة تدوير النفايات.

فمثل هذه المشاريع العملاقة أوجدت حلولًا فعّالة لمشكلة تصريف النفايات غير القابلة للتدوير في توليد الطاقة بدلًا من دفنها الذي يُكلف الدول المليارات سنويًا ويؤثر سلبًا على البيئة.

ومثال آخر نسوقه من اليابان، فالمواطنون اليابانيون يُجبرون على فرز نفاياتهم في حاويات متعددة بطريقة معينة بحيث يسهل على شاحنات إعادة التدوير جمعها من الأحياء السكنية، وبالتالي نقلها لشركات المعالجة وإعادة التدوير.

وبهذا الصدد سأذكر بعض الحقائق العلمية الهامة لإعادة تدوير النفايات، فهناك أرقام مخيفة تشير إلى أن في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها حوالي 40 مليون نسخة من الصحف تُرمى كل يوم، وذلك يعادل رمي نحو نصف مليون شجرة في حاويات القمامة كل يوم. أيضًا يتم استهلاك من 17 إلى 31 شجرة لإنتاج طن واحد من الورق، بالمقابل فإن إعادة تصنيع الورق تقلل نسبة تلوث الهواء بنسبة 74% وتقلل نسبة تلوث الماء بنسبة 35%.

بالإضافة إلى أن 50% من النفايات على الأقل يمكن إعادة تصنيعها، وكل قنينة بلاستيك معاد تصنيعها توفر 75% من الطاقة والمواد الخام. علاوة على ذلك فإن إعادة تصنيع علبة ألومنيوم واحدة توفر طاقة تكفي لتشغيل تلفاز لمدة ثلاث ساعات، كذلك فإن إعادة تصنيع طن واحد من الألومنيوم توفر ما يعادل 36 برميل نفط.

ختامًا، وفي ظل المؤشرات الخطرة على ارتفاع نسبة التلوث حول العالم، تسعى الدول المتقدمة والصناعية منها بخُطى حثيثة نحو الحفاظ على البيئة وإيجاد وخلق بدائل للطاقة المتجددة، وتقليل الاعتماد على الموارد الناضبة، في حين ما زالت هذه الصناعة متأخرة في دولنا العربية.

إذن، فإن تقليل الاعتماد على النفط مصدرًا رئيسيًا للطاقة والصناعة في الدول النفطية خاصة قد يفتح أبوابًا عديدة ومصادر أخرى لاستغلال الموارد البديلة والمستدامة.

فالخدمة التي يمكن أن نقدمها للبيئة ولأجيالنا القادمة هي بمعالجة هذه النفايات وإنشاء مصانع متطورة لإعادة التدوير، والاستفادة من النفايات غير القابلة للتدوير في توليد الطاقة. وكُلّنا أمل أن تأخذ هذه الصناعة نصيبها من الاهتمام الحكومي وأن نشاهد مجتمعاتنا العربية أكثر تقدمًا وازدهارًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثروة
عرض التعليقات
تحميل المزيد