لأكثر من عامٍ تغيبت فيها عن كل شيء في هذه الحياة، ابتعدت عن أفضل أصدقاء عمري، تركت الكتابة بل إنني حتى لم أعد أقرأ أي شيء تقريبًا، تخيل معي أنك تترك أجمل ما تحب في تلك الدنيا البائسة!، تتخلى عن أقرب الناس لديك، بل يصل بك الحال لأن تنسى نفسك، حتى أنك لم تعد تجالسها حتى تحاسبها، كل ذلك من أجل من أو من أجل ماذا؟، ذلك كي تعيش في النهاية حياةً أكثر بؤسًا مما كنت عليه.

وإليك سؤالي: هل يستحق أحد أو شيء أن تستغني عن كل ما تحب من أجله؟، هل يمكنك أن تفكر ولو للحظة وتسرح في هذا السؤال، فقط أغمض عينيك لمدة دقيقة معي وجاوب نفسك، هل يستحق؟!

سأكلمك عن نفسي بأنه هناك بالتأكيد من يستحق أن تستغني عن الأشياء الثمينة من أجله، أتدري ما هو؟، إنه حلمك يا عزيزي، هل نسيته؟ أم ما تزال تتذكره؟ أم أنك اكتفيت بقول نفسي أكون كذا…؟، دون تفكير أو تخطيط!

وإليك الحقيقة المرّة، كم منا تخلى عن كثير من أحلامه!، لأنه يرى أنها صعبة المنال، وأوافقك الرأي تمامًا فأحلامنا صعبة المنال فعلًا، ولكن لم نحلم إذًا؟، فكلنا بلا استثناء نحلم، ولكن لا نخطط للتنفيذ، نضع رؤوسنا على مخداتنا قبل النوم ويفرز مخنا هرمون الميلاتونين ونطلق العنان لخيالاتنا كي نسرح بأجمل اللحظات التي نرسمها في عقلنا الباطل، إما لمقابلة من نحب، أو لإتمام صفقة عمل سوف تدرى عليك الكثير من الأموال، بل والأغرب أننا نسرح أكثر ونتخيل ونتوقع ما هو مستحيل، كلنا نفعل ذلك، ولا يمكنك أن تنفي أو تخفي هذا يا صديقي.

اسأل نفسي دومًا ألم تحن الفرصة بعد كي تتخذ قرارًا بشأن ذلك، ألا يمكنك حتى أن تجعل ولو جزءًا بسيطًا من هذا الخيال المستحيل حقيقةً، الأغرب أنني لا أجد إجابة على هذا السؤال، أو يمكنني القول إني قد خِفت مواجهة نفسي بهذا السؤال لذلك أتهرب منه كثيرًا، وهذا هو قمة الضياع، وهو ألا تعرف ماذا تريد؟ وأن تصبح لا فرق بينك وبين البهيمة في شيء، بل الأكثر غرابةً أنني أتجاهل هذا دومًا رغم معرفتي بأنني على شفير الهاوية إن لم أكن بالفعل قد وقعت فيها ولا أقدر على الوقوف مرة أخرى، فكل منا تمر به أوقات عصيبة، يتملكه الشك في كل شيء، ويبتعد عن الكل في هذه الحياة، ويفقد الشغف بكل شيء.

يمكنك القول إنني مررت بكل هذه المراحل إن لم أكن أعيشها حتى اليوم، ولا أعرف بأي مرحلةٍ أنا اليوم، وصدقني هذا الإحساس قاتل بالنسبة لي ولك أيضًا إن كنت تمر بتلك المراحل خاصة إن كنت شخصًا لك هدف محدد، وتحب أن تخطط لنفسك وحياتك وتضع أحلامك وأهدافك دومًا نُصب عينيك. واسأل نفسي وأسألك: هل من مخرج من هذا يا صديقي؟ أم أنه سيكون مكتوبًا علينا أن نضيع في هذه الدنيا كما يضيع كثير ممن حولنا بلا شيء؟!

منذ يومين كنت في حديث مع أحد أصدقائي المعروف عنه بتخطيطه الدقيق لحياته، وإذ بي أسأله عن مخططه القادم في عمله وحياته، ولكني صُعقت من رده، فقد أجابني بكلمة واحدة لم يزد عليها وهي: لا أعرف، ولم يتكلم بعدها، فعرفت أنه يعيش نفس الحالة التي أعيشها اليوم، ولذا لم أُكثر عليه، بل تركته وانصرفت، فهو سوف يكون أفضل حالًا عندما يكون بمفرده، ولكني عندما عدت إلى البيت بكيت، نعم! بكيت على نفسي وعلى صديقي كثيرًا، فنحن لم تكن هذه حالتنا أبدًا، رغم أننا نعرف السبب لكننا نتهرب منه، رغم أننا نعرف الحل ولكننا نعقد الأمور على نفسنا.

فهل هناك حلٌّ لما أنا فيه؟، هل هناك حلُّ كي أستعيد ولو جزءًا صغيرًا مما ضاع مني، أكيد هناك دومًا حل، فكل ما عليّ فعله هو أن أراجع حساباتي مرة أخرى وأن أبدأ في تخطيط حلمي وهدفي من جديد، بل عليّ العمل من جديد على تحقيقه فكفى ما فاتني وما فاتكم من أهدافكم، كفانا سهوًا، كفانا بالله عليكم، ويعلم الله أننا ضيعنا الكثير وما يتبقى لنا إلا القليل، فهل سأترك نفسي يفوتها ما هو قادم، لا ورب الكعبة فما خُلقنا لنكون كالبهائم التي تأكل وتشرب وتتزوج، لا فرق بيننا وبينهم إلا أن الله ميزنا بالعقل، لكن لا أحد منا يستخدمه، ولكن أعلم أن هذا ليس بالأمر الهين أو من السهل فعله، فمراجعة حساباتك يتطلب منك وقتًا طويلًا حتى تصل لنهاية وقرارات تدفعك للأمام، وإليك معلومة أخيرة، كل البشر يحلمون ولهم أهداف ولكن من يخطط وينجح هم ثلاثة بالمائة فقط منهم، فبالله عليك لم لا نفعل ذلك رغم أنه واجب علينا جميعًا ذلك في تلك الأوقات العصيبة التي تمر بنا، إن الأمر كله بيدك، وما نيل المطالب بالتمني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد