ما هو الوطن؟

للوطن تعريفات عديدة يصعب حصرها في كلمات، عرَفه البعض على أنه مسقط الرأس أو الارتباط التاريخي أو حتى الجهة التي تنتمي لها الشعوب. في حين بيَن آخرون أنه عبارة عن شعور وجداني يميل إلى العاطفة أكثر من العقلانية، كما تتخلله بعض الخصائص التي ترتكز بشكل رئيس على الحب وما يتضمنه من أشكال.

إذن تعددت تعريفات الوطن، إلا أن مجملها يبين وجود تلك العلاقة الوجدانية العميقة والقوية بين الشخص، وهذا المكان الجغرافي. وغالبًا ما تزيد هذه العاطفة عند إشباع الحاجات الأساسية للمواطن وشعوره بالأمان والعدل والمساواة مع الآخرين.

الإنسان بطبعه مجبول على حب أرضه، مهما كان، وفي إثبات التعلق بالأرض، يقول سبحانه (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ).

وقوله صلى الله وسلّم عندما ودّع مكّة مهاجرًا (أَمَا وَاللَّهِ لأَخْرُجُ مِنْكِ، وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إِلَيَّ وَأَكْرَمُهُ عَلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ).

الحرمان من الوطن

يعيش العديد من شبابنا وآبائنا في الوقت الحالي بنوع من الضياع في تحديد الهوية الوطنية أو بالأحرى الانتماء إلى أي وطن؟ عانى العديد من الناس على مر العصور من التهجير القسري والحروب التي حالت بين المرء ووطنه، كما جبر العديد من أبناء الشعب الفلسطيني وغيرهم من الشعوب على مغادرة أوطانهم قسرا تحت التهديد.

سأتحدث اليوم عن الوطن المفقود، الوطن الذي سمعنا عنه العديد من القصص المشوقة، الوطن الجميل الذي نحلم بزيارته. ما الشعور الذي سيجتبيك في حال سكنت في مكان وكان قلبك في مكان آخر؟ هل تشعر بنوع من التيه؟

ولدت وعشت حياتي في الأردن، إلا أن أصل أجدادي الفلسطينيين لم يمكني من الانتماء الكامل للمكان الذي ولدت فيه. كان هنالك حرب نفسية في كل مرة يسألني فيها أحدهم من أين أنت؟ هل أجيب من فلسطين؟ أو أجيب الأردن. هل جواز السفر ومكان الولادة يحددان الهوية الوطنية أم مسقط الآباء والأجداد؟

الفلسطيني بشكل خاص، وأي شخص آخر مبعد عن وطنه بشكل عام، يحن لأصله ويحن للرجوع إلى أرض الأجداد. يبقى الحنين فطريًا إلى حيث تنتمي الجذور وإلى حيث يدري أحدنا أن كل مأكله وملبسه ولكنته وتعبيره قد وجد أول ما وجد في تلك الأرض البعيدة عينًا والقريبة فؤادًا. كما يزيد حنين الفلسطيني لأرضه لإيمانه بحقه المسلوب فيها، إضافة للبعدين الديني والعقدي للمسألة.

سافرت إلى ماليزيا عام 2011، وهناك التقيت بالعديد من الأشخاص من جنسيات مختلفة، شاركني بعضهم همي، حيث حرموا من زيارة أوطانهم أو رؤيتها لأسباب معظمها سياسية. لم يعد الفلسطيني الوحيد المبعد عن وطنه، بل أصبح هنالك عراقي ويمني وسوري والعديد غيرهم.

قمت مرة بكتابة منشور على احدى الصفحات التابعة لمجموعة في الجامعة آنذاك، لأرى إن كنت وحدي من يعاني من هذا الضياع، سألتهم عن الوطن وعن الهوية وكيفية تحديدها. كانت معظم الإجابات مترددة، بعضهم قال أنا لا يوجد لي وطن، والبعض قال، كيف سأطلق على المكان الذي ولدت وكبرت فيه وطن وهو لا يعترف بي كمواطن؟ إن لم يعطني أبسط حقوقي كهوية أو جواز سفر فكيف لي أن أحب هذا المكان أو أنتمي إليه؟ وجاء رد آخر: أنا تمثلني هذه الأغنية التي تسمى (بحب عيشة الحرية، أحب عيشة الحرية زي الطيور بين الأغصان، مادام حبايبي حواليَّ كل البلاد عندي أوطان)!

ألم الفراق

تعرض العديد من أبناء الشعب الفلسطيني والعديد من الشعوب العربية الأخرى إلى إجلاءات قسرية من بلدانهم لم يكن بيدهم أي حل إلا الحفاظ على أرواحهم وفلذات أكبادهم.

لم تشأ الأقدار أن يبقى جدي في قريتنا سيرين الصغيرة في فلسطين، حيث بدأ الهجوم الصهيوني قبيل حرب الـ48 آنذاك وبدأ أبناء فلسطين بالهجرة إلى أي مكان قريب وآمن. روى لي عمي حكاية الهجرة، كان عمره 9 سنوات حينها، سمع وقتها جدي نداء من المختار واتفق الجميع على الرحيل – والذي اعتقد الجميع حينها أنه لن يستمر لأكثر من أسبوع – إلا أنه استمر لأسابيع وسنوات. في كل مرة يتحدث فيها شخص مسن عن فلسطين تلمع عيناه، تستشعر بحب فلسطين في ثنايا كلامهم، وبفخرهم وصدق مشاعرهم عندما يتحدثون عن البلاد كما يسمونها.

لم أقابل فلسطيني أو أي شخص مبعد عن وطنه قسرًا في حياتي، إلا وكان يتمنى العودة ولو حتى زيارة. كل شخص مبعد عن أرضه يشعر بنوع من اللوعة أو الحزن أو حتى الشوق وهو حال العديد من كبار السن، الذين تكون أسمى أمنياتهم أن يدفنوا في مساقط رؤوسهم.

أمل العودة

كل شخص مبعد عن وطنه يحلم بيوم الرجوع، ويتمنى أن تتغير الأحوال وتعود الأيام الخوالي التي عاش فيها بأرضه ووطنه. الذي يبقي الناس أحياء هو أمل العودة، هذا الأمل الذي كان عند جدي وتوارثناه جيلًا بعد جيل.

لا يزال أبي والعديد من الفلسطينيين أمثاله يحتفظون بقواشين الأراضي وأي إثبات عن ممتلكات لهم في فلسطين على أمل العودة، في كل بيت فلسطيني تجد مفتاحًا كبيرًا معلقا في مكان مميز، يكون غالبًا مفتاح الدار التي يحلم الجميع بالرجوع إليها يومًا ما.

كل شخص يقوم بأفضل ما عنده ليتمكن يومًا ما من الرجوع إلى وطنه المغتصب، ليحرره ويبنيه ويطوره تمامًا كما كان يراه بأحلامه ويسمع عنه في قصص أجداداه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك