لم تشهد بداية شهر نوفمبر الجاري فقط أحداثًا ملتهبة سياسيًا، بل شهد الشهر أيضًا حدثين ثقافيين بارزين في المنطقة، لن يتكررا قريبًا  لم يفصل بينهما سوى ساعات؛ فبين الافتتاح التجريبي لمكتبة قطر الوطنية وبين الافتتاح الرسمي لمتحف لوفر أبوظبي، الأمر الذي يمكن اعتباره مبارزة ثقافية بين الجارتين الخليجيتين اللتين بينهما ما صنع الحداد حاليًا .

بذرة المشروعين

في التاسع عشر من نوفمبر عام 2012 أعلنت الشيخة موزة بنت ناصر عن مشروع مكتبة قطر الوطنية تكملة وامتدادًا لدار الكتب القطرية التي تأسست عام 1962.

مكتبة قطر هي فرع من فروع مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، أو ما يعرف بـQatar foundation، المكتبة شأنها شأن المؤسسة التي تتبعها غير هادفة للربح.

بينما في التاسع من أكتوبر عام 2007، وافق البرلمان الفرنسي على الاتفاقية التي وقعت في السادس من مارس من العام ذاته بين وزير الثقافة الفرنسي آنذاك رينو دونديو دو فابر وسلطان بن طحنون آل نهيان ممثلين لحكومتي بلديهما، تلك الاتفاقية التي تخول إمارة أبوظبي عاصمة الإمارات العربية المتحدة من إنشاء متحف يحمل اسم اللوفر.

افتتاح المشروعين

تم الافتتاح التجريبي لمكتبة قطر الوطنية في اليوم السابع من نوفمبر حيث تعمل المكتبة حاليًا  بـ95% من طاقتها الكلية، حيث تحتوي المكتبة الآن على 800 ألف كتاب، بينما ستحتوي عند افتتاحها الرسمي في أبريل عام 2018 على مليون ومائتي ألف كتاب بـ15 لغة مختلفة تمثل العربية والإنجليزية نصيب الأسد من الكتب.

بينما تم افتتاح متحف لوفر أبوظبي في الثامن من نوفمبر في حفل مهيب حضره حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وملك المغرب محمد السادس، بالإضافة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وصف المتحف بأنه «جسر بين الحضارات» كما أضاف في كلمته «إن الجمال هو من سينقذ العالم».

التصميم

صمم مبنى مكتبة قطر الوطنية الذي يقع في قلب المدينة التعليمية المعماري الهولندي الشهير ريم كولهاس على مساحة 45 ألف متر مربع! التصميم عبارة عن كتابين يواجه كل منهما الآخر، وبالإضافة إلى التصميم الساحر للمكتبة فقد صممت بطريقة بحيث مع دخول الزائر يحصل على نظرة بانورامية للمكتبة، كما يسمح السطح الزجاجي بدخول نسبة من ضوء الشمس كافية لتعطي بعدًا جماليًّا آخر مع مراعاة عدم سطوع الضوء؛ لكي لا يؤثر على الكتب أو عملية القراءة.

بينما صمم المهندس الفرنسي جان نوفل تحفته المعمارية في جزيرة السعديات على مساحة 8600 متر مربع تغطي المتحف قبة عملاقة قطرها 180 مترًا مكونة من 7850 نجمة مكررة بمختلف الأحجام والزوايا في ثماني طبقات مختلفة يتسلل منها الضوء الشمس، ويتوسط المتحف مسطحات صغيرة من الماء.

المكانة الإقليمية والدولية

تعد مكتبة قطر الوطنية أكبر مكتبة في الوطن العربي؛ حيث إنها كما ذكر سابقًا عندما تعمل المكتبة بطاقتها الكاملة ستحتوي على مليون ومائتي ألف عنوان كتاب و300 ألف كتاب إلكتروني.

بعض الكتب النادرة والمخطوطات التي من الصعب طرحها للجمهور؛ وذلك لقيمتها التاريخية يتم رقمنتها «الرقمنة هي عملية تحويل المواد من أشكالها التناظرية إلى صورة رقمية فتتم عبر عدة مراحل مختلفة بداية من عملية التقييم إلى المعالجة ثم عملية المسح الضوئي المعقد»، بعد ذلك تتوافر في شكل رقمي عبر الوسائط الإلكترونية.

أما بالنسب لمصادر الكتب، فإن الكتب الإنجليزية تم شراؤها بشكل رئيسي من الولايات المتحدة وإنجلترا، بالإضافة إلى بعض المواد العلمية الصادرة باللغة الإنجليزية من البلاد العربية.

الكتب العربية تم شراؤها بشكل رئيسي من قطر ومن معارض الكتاب التي تقام في البلاد العربية.

الكتب التراثية من المزادات وبعض الكتب الخاصة التي تم شراؤها من أصحابها مباشرة.

الاشتراك في المكتبة مجاني للقطريين والمقيمين في الدولة دون أدنى تمييز.

المكتبة تخدم من الطفل مرورًا بربة المنزل وصولاً إلى الباحثين المتخصصين؛ حيث تنقسم مكتبة قطر الوطنية إلى ثلاثة أقسام:

(1) مكتبة وطنية تعني بحفظ كل ما يتعلق بدولة قطر من كتب وخرائط ومخططات ومستندات.

(2) مكتبة بحثية تهدف لخدمة الطلاب من جميع الأعمار والباحثين.

(3) مكتبة عامة مخصصة للجمهور العادي،، تتبنى المكتبة العامة «المفهوم الجديد» للمكتبات؛ حيث تعد المكتبة وجهة لكافة العائلة، فالهدوء الاعتيادي للمكتبات لن تجده هناك، إلا أنه يوجد غرف هادئة تمامًا للمطالعة.

بينما لوفر أبوظبي يعتبر أكبر مشروع ثقافي خارج فرنسا، وأول متحف عالمي في الوطن العربي، ساند أربعة رؤساء فرنسيين مشروع بناء متحف اللوفر أبوظبي الذي جاء بطلب من الإمارة التي تطمح أن تكون عاصمة الثقافة العربية، التحمس الفرنسي للمشروع يعود إلى العائد المادي الكبير الذي ستحصل عليه فرنسا، بالإضافة إلى  البعد الثقافي الذي لا يمكن إغفاله؛ حيث تعد الثقافة أحد أذرع الخارجية الفرنسية منذ أمد طويل، إلا أن هذا لم يمنع وجود معارضة شديدة من الداخل الفرنسي للمشروع تزعمها ديدييه ريكنر المؤرخ الفني لجبهة المعارضين.

التكلفة الإجمالية للمشروع تجاوزت المليار يورو، أكثر من 400 مليون يورو مقابل استغلال اسم اللوفر لمدة 30 عامًا بالإضافة إلى تكلفة الإنشاء بلغت 582 مليون يورو.

بالنسبة لمصادر الأعمال الفنية، فقد أنشئت وكالة أطلق عليها «متحف فرنسا» بدأت عملية جمع الأعمال الفنية في 2009.

يضم المتحف نحو 600 عمل فني دائم العرض، بالإضافة إلى 300 عمل قامت الإمارة باستعارتهم بشكل مؤقت لمدد قد تصل إلى عشرة أعوام من 13 متحفًا فرنسيًّا بخلاف متحف اللوفر في باريس، كما توجد مقتنيات وآثار أخرى معارة من السعودية والأردن وسلطنة عمان.

تقدم صالات العرض أعمالاً من جميع أنحاء العالم، ولكبار الفنانين الأوروبيين مثل فان جوخ وبيكاسو، كما توجد لوحة «حداد جميل» المنسوبة إلى ليوناردو دافينشي كقطعة مستأجرة من المتحف الأم في باريس، ولوحة نابليون الشهيرة للفنان جاك لوي دافيد، ومن القطع الأثرية الموجودة أيضًا التي لا تقدر بثمن تمثال لأبي الهول يعود تاريخه إلى القرن السادس قبل الميلاد، وقطعة من النسيج تصور شخصيات في القرآن.

يرى البعض أن قطر استثمرت في المعرفة وفي شبابها وشباب المنطقة؛ فالدولة التي كان مرشحها على بعد خطوة من رئاسة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» قد اشترت العلوم وأتاحتها مجانًا للجميع، بينما استثمرت الإمارت للجذب السياحي والدعاية والعوائد المادية التي بالتأكيد لن تغطي التكلفة الباهظة للمشروع الذي كان محل انتقاد البعض، إلا أنه لا يمكن إغفال الحس الجمالي والفني المتولد من هذا المشروع الذي تحتاجه الروح والمنطقة بأثرها.

أيًّا كانت أهداف الدولتين وسواء أكانت هذه المبارزة مقصودة أم لا، فما أجمل أن تكون المبارزة في الميدان الثقافي، وليست مناطحة بين أنظمة فقدت بوصلتها فاتجهت إلى التخبط، إن المنطقة في حاجة ماسة إلى مثل هذه المبارزات الثقافية التي تنشر المعرفة والعلم وترتقي بالذوق العام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك