يقول أحمد إسماعيل في كتابه (الحب والسجن والتسكع العاطفي): (الحب أطول رحلة احتضار في حياة العاشقين، وأشهى طعنة في القلب).

الحب من أجمل وأرقى الأحاسيس عند الإنسان، لكن في هذا الزمان الحب تحول من ذلك الإحساس الرائع إلى شيء مخيف؛ لأن المحب في هذا العصر لا يؤمن إلا بمقولة (لا إله والحياة مادة)، الكثير من الأشخاص، وخاصة الشباب، وأنا واحد منهم، قد عاشوا نعيم الحب، ولكنه تحول من نعيم إلى عذاب وهم.

الحب نعمة عظيمة رزقها الله لنا لكي نعيش في ظلها ونسعد بجمالها ونتذوق لذتها، لكن لهذه النعمة شروط وخطوات يجب أن نلتزم بها لكي نتمتع بها ونحي في ظلها، وإلا فإن هذا الحب ينقلب إلى عذاب وشقاء وذل وهوان، يقول شاعر:

فما في الكون أشقا من محب … وإن وجد الهوى حلو المذاق

تراه باكيا في كل حين … مخافة فرقة أو لا اشتياق

فتسخن عينه عند الفراق … وتسخن عينه عند التلاقي

فالحب لا يكون إلا لله (المطلق) في درجة أولى، وفي درجة ثانية إلى كل إنسان يستحق هذه المشاعر نبيلة من أسرتك إلى أصدقائك ومعارفك والإنسانية جمعاء بكل أطيافها وأعراقها وأجناسها وألوانها. اعلم إذا تعلقت بغير الله وأحببت من لا يحبك إلا لشيء في نفسه، وحبه لك له أسبابه، يقول أحد العارفين: الحب معروف الأسباب لا يعول عليه.

الحب معروف الأسباب سيجعل حياتك عذابا وشقاء وهما وغما، فيصبح الإنسان لا ينام ليله، ولا يهدأ باله، ولا يعيش نهاره، فقلبه مشغول، وفكره مشتت، وعينه باكية، ووقته ضائع، المحب في هذا الإطار ميت، ولا يجد طعما للحياة، ولا لذة الحب ونعيمه، يقول شاعر:

ليس من مات فاستراح بميت … إنما الميت ميت الأحياء

في زمن اللا معنى الذي أصبحت فيه المشاعر النبيلة رخيصة وذليلة ولا معنى لها، في مقابل المادة واللذة وشهوة والغريزة، على الإنسان أن يستكمل فضائل نفسه، ويستبدل الشر بالخير والضار بنافع ليحيا قلبه وروحه ويشعر بطعم الحياة الطيبة ويستعد نفسه، ويشعر الفرد والأسرة والمجتمع بنعيم الحب ونعيم التقرب لواجب الوجود ( الله جل علاه ) كما سماه فلاسفة الاسلام الفرابي وابن سينا، يقول شاعر:

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته … أتطلب الربح فيما فيه خســــران

أقبل على النفس واستكمل فضائلها … فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

وإن أساء مسيء فليكن لــــــك في … عروض زلته صفح وغفـــران

الطريق نحو الحب هي الطريق نحو الله، يقول مولانا جلال الدين الرومي: (أيها القلب! لماذا أنت أسير لهذا الهيكل الترابي الزائل؟ ألا فلتنطلق خارج تلك الحظيرة، فإنك طائر من عالم الروح… إنك رفيق خلوة الدلال، والمقيم وراء ستر الأسرار فكيف تجعل مقامك في هذا القرار الفاني؟ انظر إلى حالك واخرج منها وارتحل من حبس عالم الصورة إلى مروج عالم المعاني… إنك طائر العالم القدسي، نديم المجلس الأنسي فمن الحيف أن تظل باقيا في هذا المقام).

إن قرع باب الحب يتطلب من المحب أن يسلك مسلك طريق إلى الله، وعلى الإنسان أن يعطي لنفسه فرصة معرفة الله، وذلك عن طريق العزلة، وهذه الأخيرة هي الفضاء الصالح الذي يتيح للعقل التأمل وإنتاج المعرفة واكتشاف الحقيقة..المعرفة والتأمل هي طريقك نحو اكتشاف ذاتك، وبعد اكتشاف حقيقة نفسك ستجد بكل تأكيد الحب الحقيقي الذي تبحث عنه في زمن اللامعنى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد