من الطبيعي أن يظل الحب كما هو بعد الزواج أو يزيد، ولكن ما يحدث في الواقع أن كثيرَا من المتزوجين يعانون من ضعف الحب بعد الزواج مقارنة بما كان عليه الحال قبل الزواج، وأن المشاعر الملتهبة قبل الزواج تتحول مع الوقت إلى نوع من البرود أو الفتور نتيجة للتعود، وفي الحقيقة أحيانًا ما تكون هذه الشكوى في محلها بالفعل، وأحيانا أخرى يكون هناك نوع من التوهم الكاذب بنقصان الحب ولا بد من التفريق بين الأمرين أولًا.

وللتفريق بين الأمرين يجب التفريق بين الأعراض الجانبية للحب وبين الحب نفسه؛ ففي مرحلة ما قبل الزواج يكون الحب في صورة عنيفة سنسميها «الحب المضطرب» وفيها يكون الحب مقترنًا بأعراض جانبية متعبة ومرهقة جدًا للمحبين، مثل نار الشوق وألم الحنين وانشغال البال بالمحبوب والأرق والشغف الدائم، وما إلى ذلك من الأعراض المشهورة للحب التي كتب عنها الأدباء، ووصفها الشعراء، وتغنى بها المطربون وجسدتها الأفلام والمسلسلات والروايات.

وكثير من الناس يظنون أن هذه الأعراض هي الحب نفسه، ولا يعلمون أنها مجرد أعراض مؤقتة مرحلية، وبالتالي فإنهم عند اختفائها يظنون أن الحب نفسه أصابه الضعف وهذا غير صحيح كما سنبين، ولتوضيح ذلك علينا أولًا معرفة سبب تلك الأعراض المرهقة ابتداء.

إن هذه الأعراض تحدث في مرحلة الحب قبل الزواج بسبب وجود انجذاب شديد بين الطرفين ينتج عنه رغبة قوية للتلاقي الكامل مع عدم قدرة الطرفين على إشباع هذه الرغبة في التلاقي، مما يؤدي لحدوث اضطراب ينتج عنه تلك الأعراض سالفة الذكر، وهذه الرغبة في التلاقي الكامل تشمل التلاقي الجسدي والروحي والعاطفي بشكل كامل، وهو ما لا يتم إلا بالزواج حسب ديننا ثم ثقافتنا الشرقية، وعندما يحدث الزواج -ولا سيما بعد تكرار العلاقة الحميمية- يصل الزوجان لقمة الاندماج العاطفي والجسدي والحسي؛ وبعد الوصول لتلك القمة، تبدأ تلك الأعراض الجانبية في الاختفاء والاندثار تدريجيًا أو تقل لتصل للمعدلات الطبيعية التي لا تضر صاحبها، إذ لم يعد لوجودها مبرر، وهنا قد يظن الزوجان خطأ أن الحب قد قل أو اختفى، وهذا غير صحيح كما أسلفنا.

بل إن الحب حينئذ يتحول إلى مرحلة مستقرة مريحة ولا ينقص كما يتوهم بعضهم، وقد عبر عنها القرآن بلفظة (المودة)، كما في قوله تعالى: «وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» (سورة الروم الآية : 21) ، وهي نوع هادئ من الحب يخلو من الأعراض الجانبية المضرة، ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشير لهذا المعنى في قوله : «لم يُـرَ للمتحابَّين مثلُ النكاح» (صححه الألباني)، حيث أن الزواج هو الإطار الشرعي للعلاقة بين المحبوبين والذي يزيل الأعراض الجانبية للحب.

ويمكن لتلك الأعراض الجانبية للحب أن تظهر مرة أخرى في الحياة الزوجية، وذلك في حالة الفراق المؤقت، كأن يسافر أحد الزوجين بعيدا عن الآخر لفترة مؤقتة؛ وهنا تتجدد الأعراض الجانبية للحب كالشوق وانشغال الفكر والأرق وضيق الصدر، وتكون تلك الأعراض دليلا مهما على أن الحب ما زال حيًّا بين الزوجين حتى بعد مرور فترة طويلة على الزواج.

ولكن الحب قد يتعرض بالفعل لنقصان حقيقي بعد الزواج ويتحول إلى برود حقيقي أو حتى إلى نفور كامل، وهذا يحدث كثيرًا، ويكون سببًا للطلاق أو للخيانة الزوجية، لذلك لا بد من الاهتمام بالحب بعد الزواج للحفاظ عليه ليستمر.

إن الحب يشبه الكائنات الحية يولد ويحيا ويقوى ويضعف ويموت، متى توافر لكل شيء من ذلك أسبابه على حدة، فمن أراد للحب أن يحيا بعد الزواج فعليه أن يوفر له أسباب الحياة، والأسباب المعينة على استمرار الحب بعد الزواج كثيرة متنوعة، ولكن بشكل مختصر يمكن القول أن نجاح العلاقة الزوجية بشكل عام تقع مسؤوليته على الرجل في المقام الأول، وذلك لسببين:

الأول: أن الرجل هو الطرف الأكثر تعقلًا والأقل عاطفة، لذا فهو المسؤول الأول عن احتواء الطرف الآخر الأقل تعقلًا والأقوى عاطفة، بينما في الغالب لا تستطيع الأنثى احتواء الرجل بسبب شدة عاطفتها التي تطغى على تصرفاتها، إلا إن كانت ذات شخصية قوية عقلانية، وهذا قليل الوجود نسبيًّا في النساء مقارنة بالرجال.

السبب الثاني: أن الأنثى بطبيعتها مستقبلة لا تأخذ زمام المبادرة، أي أن تصرفاتها عادة ما تكون ردود أفعال فقط، وهي في ذلك تشبه الأرض الخصبة إذ تنبت ما يُزرع فيها بشكل مضاعف، فإن زُرع فيها حب وحنان أنتجت حبًا وحنانًا مضاعفًا أضعافًا كثيرة، فكلمة طيبة أو إطراء أو غزل بسيط من الزوج لزوجته له تأثير السحر عليها، فتنتج بسببه أضعافًا مضاعفة من الحب والحنان والكلام الطيب وهكذا، والعكس صحيح أيضًا، فالقسوة أو الإهمال أو الكلام السيء من الزوج لزوجته يجعلها تنتج مثله أضعافًا مضاعفة، إلا في حالات استثنائية شاذة تكون فيها الزوجة عاقلة تمتص إساءات زوجها وتحتويه.

ومن هنا نفهم لماذا جعل الشرع الكذب مباحًا في الجانب العاطفي بين الزوجين، وذلك لما في هذا من أهمية كبيرة لاستمرار الحياة الزوجية بشكل مريح، ومن ثم كان الكذب هنا مباحًا، لما له من فوائد كثيرة وأضرار تكاد تكون معدومة.

وتشبيه المرأة بالأرض الخصبة ورد في قول الله تعالى: «نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ » (سورة البقرة الآية : 223)، ورغم أن هذه الآية تتحدث عن العلاقة الجنسية التي تؤدي للحمل والولادة، إلا أنه من العجيب أن نفس المعنى ينطبق أيضا على العلاقة العاطفية بين الزوجين؛ فالرجل يشبه الزارع وهو المسؤول عن بذر بذور المشاعر في زوجته، وبقدر ما يزرع الرجل في زوجته يكون الحصاد مضاعفًا، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.

وهناك كثير من الأشياء التي يجب على الزوجين فعلها للحفاظ على الحب ويمكن إجمالها بشكل مختصر فيما يلي: الإكثار من العلاقات الحميمية بينهما، وممارسة أي هوايات مشتركة سواء رياضية أو ثقافية أو غيرها، والتشارك سويًا في أي نشاط ترفيهي خارج المنزل كالرحلات وغيرها، وتخصيص وقت بشكل دوري للحديث والمناقشة بين الزوجين في شتى الأمور الحياتية والنفسية لكل منهما، إضافة لما ذكر سابقًا من أهمية الكلام الطيب والغزل المستمر من الزوج لزوجته حتى ولو بشكل مصطنع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد