لا شك أن حب الله أمر مفروغ منه؛ لأن أصل العبادة هو حب الله دون سواه، ولكن هل هذا الحب خوفًا من الله أم تصوفـًا؟

بدايةً لا بُد أن نعرف ما التصوف وكيف يكون؟

التصوف هو الاتصاف بمحاسن الأخلاق والصفات وترك المذموم منها كما عرفه أهل اللغة، وفي الاصطلاح له تعاريف كثيرة، منها تعريف الشيخ أحمد زروق «هو علم قصد لإصلاح القلوب وإفرادها لله تعالى عما سواه».

إذن التصوف يكون بإصلاح القلوب وإفرادها لله تعالى والاجتهاد في العبادة والتعبُد والزُهد في الدنيا وجهاد النفس، هذا كله يكون حبًا لله تعالى.

لكن ما يفعله الجهلة وغير المتعلمين من ممارسات خاطئة وخرافات كثير، وما ابتدعوه من طُرق غير سوية أساؤوا للتصوف بأفعالهم هذه باعتبار أنهم متصوفون، هذا لا يكون حبًّا لله، وإنما حبًّا لأهوائهم وملذاتهم.

ماذا عن الخوف من الله؟

الخوف من الله تعالى واجب على كل إنسان، قال تعالى «فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» «آل عمران:175«

وقال تعالى: «فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ» (المائدة: 44)، وقال عز وجل: «وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ» (البقرة من الآية:40)
ومن الأحاديث، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ –رضي الله عنه – عَنِ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:

«كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: «إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي في الرِّيحِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَىَّ رَبِّى لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا»!

فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ.

فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ. فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُو قَائِمٌ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟

قَالَ: «يَا رَبِّ! خَشْيَتُك»، فَغَفَرَ لَه.

وفي رواية: «مخافتك يا رب».

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- يروي عن ربه: «وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، إِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجه ابن حبان في صحيحه.

والخوف من الله تعالى يكون بأشياء كثيرة، منها تقوى الله وتعظيم محارمه والابتعاد عن معصيته والاجتهاد في عبادته، هذا هو مفهوم الخوف من الله.

إذا نظرنا إلى مفهوم التصوف ومفهوم الخوف من الله لا نجد اختلافـًا ولا فرقـًا بينهما، إنما هما متلازمان فلا تصوف إلا بخوف من الله ولا خوف من الله إلا بتصوف، ولكن يبقى سؤال «هل التصوف غاية في حب الله في زماننا هذا؟»

يكون التصوف غاية في حب الله إذا أُخِذ العلم من مصادره وصار المتصوفون على الطرق الصحيحة للتصوف وابتعدوا عن الخرافات والبِدع واجتهدوا في الخوف من الله بالتصوف، حينها يصبح التصوف غايه في حب الله.

وما أجمل ما قال الأصمعي:

يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعدُّ لكل ما يتوقع

يا من يرجى للشدائد كلها يا من إليه المشتكى والمفزع

يا من خزائن رزقه في قول كن امنن فإن الخير عندك أجمع

مالي سوى فقري إليك وسيلةٌ فبالافتقار إليك فقري أدفع

مالي سوى قرعي لبابك حيلةٌ فلئن رددت فأيَّ باب أقرعُ

ومن الذي أدعو وأهتف باسمه إن كان فضلك عن فقير يمنعُ

حاشا لجودك أن يقنط عاصيًا الفضل أجزل والمواهب أوسع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد