أحبك عندما تذرف عينيك الواسعة
ماءً ساخنًا كالدَّم..
عندما يتفجرُ .. رغم يدي التي تُهدهدك ..
عذابُك .. شديد الوطأة ..
مثل حشرجة مُحتضر

هكذا كتب شارل بودلير عن حبه لفتاة في ديوانه أزهار الشر  1868 ، توافقه ايفان كليما بقولها: ما من شيء أقرب إلى الموت مثل الحب المتحقِّق؛ فظهور أحدهما، إنما هو ظهور واحد منفصل، لكنه أيضًا ظهور وحيد وللأبد.

الموت والحب من أحداث المرة الواحدة، لا يمكنك الموت مرتين، كما لا يمكنك الوقوع في الحب مرة أخرى بعد الأولى. ولتقريب الصورة، يقول هيرقليطس: إنك لا تستطيع النزول في النهر نفسه مرتين.
فبشكل ما سيكون النهر تأثر بك وتغير تعكُرًا أو نقاءً، أنت أيضًا ستتأثر من النهر بكيفية ما. حسنًا هل يمكنك أن تتعلم كيف تهبط إلى النهر ولا تؤثر فيه أو تتأثر به؟ إن كان هذا ممكنًا للإنسان فيمكنه أيضًا أن يتعلم كيف يموت، أو كيف يحب.

الحب والموت يأتيان من العدم ليقتحما حياة الإنسان اليومية، لقد طرح الفلاسفة والأغبياء أسئلة عن الحب والموت، ولكنها كانت أسئلة بلا إجابة، إذ الموت والحب تجربة خاصة تحدث للمرء مرة وحيدة كما قالت كليما، بالتالي هي تجربة غير خاضعة للدراسة، لماذا نموت في هذا الموعد؟ بهذه الكيفية؟ لماذا أحب هذا الشخص؟ لا ندري ولا أحد له القدرة على إخبارك إلا لو أتى من مصدر الموت والحب، من العدم. الحب كما الموت يأتي بغتة ودون موعد مسبق، ضيفان ثقيلان مرعبان.

الموت هو ما يعطي للحب شكله مثلما يعطي للحياة شكلها، محوّلًا كل ذلك إلى قدر. – ألبير كامو

يخبرنا كامو هنا عن علاقة الحب بالموت، نعيش لأن الموت قادم، ولكن هل نحب لأن الموت قادم أم أننا نموت لأن الحب لم يأتي؟ أخبرني صديق أن الحب بالنسبة له هو أمر وجودي لا عاطفي، هو يحب عندما يحب لكي يتجاوز الموت، لكي يتجاوز محدوديته كإنسان، سواء زمانيًا أو مكانيًا.

يقع في الحب كائنان، كل طرف يمثل المجهول العظيم بالنسبة للآخر، يقول زيجمونت باومان: الحب هو الانفتاح على القدر … حالة يمتزج فيها الخوف بالفرح، ليتحولا إلى مزيج لا يسمح لمكوناته بالانفصال. الإنفتاح على القدر يعني الحرية، تلك الحرية تتجسد في الآخر؛ لأنه كما سبق الإشارة، يعطي الطرف الآخر إمكانية تجاوز محدوديته. فليس الحب تملك ولا تسلط، ولا حتى معركة أو التحامًا أو معرفة، الحب علاقة مع ذات أخرى، مع المجهول الذي لا نراه إلا بالحب، مع الغد الذي لا يأتي أبدًا.

ما دام الحب يحيا فإنه يدمر ماضيه، يدمر المكان الذي أتى منه، فهو كالموت، لا رجعة منه، لا يتركان وراءهما أية حصون يستطيع المرء العودة إليها وقتما مل من أحدهما، هما لا يعرفان ما بعدهما، الحب والموت مرهونان بمستقبل غامض، مستقبل غير مضمون.

ربما يكون الحب مخيفًا كما الموت، ولكنه، وبخلاف الموت، يخفي هذه الحقيقة بفورة الرغبة والإثارة. – باومان

إغراء الوقوع في الحب كبير، فلا يستطيع المرء الإفلات من الوقوع فيه، على عكس الموت، وأيضًا جاذبية الهروب منه كبيرة، فلا نستطيع الإفلات منه بعد أن سقطنا في قبر المحبين. غواية الحصول على زهرة من دون لمس أشواكها كبيرة، ولكن دائمًا ما تصيبنا الأشواك، ودائمًا ما تصعب مقاومة الغواية.

نعود إلى إشكالية أن الحب كالموت يحدث مرة واحدة، قد تكون المعارضة أن واقع الأمر ليس بهذه المثالية – وهذه ليست مثالية بأي شكل – وأن هناك من أحب مرات عديدة، أهل زماننا ميالون إلى إطلاق كلمة حب على تجارب مختلفة مروا بها في حياتهم، أهل زماننا ميّالون إلى الحب السائل، الحب الذي قيل عنه: إنه أفضل، من السهل دائمًا الضغط على زر احذف، بعدما انتهت فترة الحب الرومانتيكي القائم على مبدأ: اتفقنا على ألا يفرقنا إلا الموت، بعدما انتهت هذه الفترة وبدلًا عن يحقق الناس درجات أعلى من الحب، خفَّضوا من مستوياته، وأصبع النطاق الذي توجد به علاقات تدعى حب أوسع، أصبحنا نسمع أن العلاقات الجنسية العابرة تسمى: ممارسة الحب.

يعتقد الفرد بأن مهارات ممارسة تجارب الحب مهارات متراكمة بفعل التجارب السابقة، بمعنى أن تجربة الحب الحالية أفضل من التي سبقتها، ولكنها يجب أن تنتهي في وقت أسرع، حتى نصل إلى التالية الأفضل بطبيعة الحال. بيد أن هذا وهم آخر، فالمعرفة التي يعرفها المرء وتتراكم هي معرفة بالحب كأحداث منفصلة، المهارات المكتسبة هي مهارات إنهاء العلاقات بشكل أفضل، أثر امتلاك هذه المهارات، والتركيز على تعلمها أكثر من علاقة الحب يؤدي بطبيعة الحال إلى نزع القدرة على تعلّم الحب الأصلي، أو إلى عجز أصيل عن الحب. انتقام بسيط من مجهول عظيم كالحب، من يصرون على ربط أفعالهم الحالية بأفعال سابقة يغامرون بمجازفات انتحارية، مثلهم في ذلك مثل الجنرالات المعروفين بخوضهم آخر حروبهم التي انتصروا فيها، مرة أخرى.

كيوبيد جالسٌ
على جمجمة الإنسانية،
وعلى هذا العرش ينفث المستهتر بمرح،
مع الضحك السَّفيه، فقاعات مستديرة
تتصاعد في الهواء، كأنما تنضم إلى العوالم،
في أعماق الأثير.
أسمع الجمجمة، مع كل فقاعة،
تئن وتتوسل :
هذه اللعبة الوحشية البلهاء،
متى ستنتهي؟
–شارل بودلير

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد