حب بلا زواج أو زواج بلا حب، هكذا يصبح الاختيار دائما وأبدا وقلما ما ينجو أحد من هذه المعضلة، وإن حالفه الحظ فإن الأمر لا يستمر حتى تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

فأما الأول فهو أيسر على الرجل وأما الثاني فهو أيسر على المرأة خاصة في مجتمعاتنا الشرقية، وقد يرفض الشخص الحب والزواج ويتعفف في كلاهما!

ولكن في هذه الحالة يجازف الانسان بأن يعيش وحيدا منفردا وهو ما يعني أن الابتذال سيتطرق إليه ويمكن أن يسلم نفسه لعادات وممارسات سيئة، وتخبو روحه ويفقد أخلاقه تدريجيا، كما تتملكه الأنانية، فوجود شريك له يعيش معه تحت سقف واحد يجعله يأخذ نفسه بصور من الحفاظ والتهذيب في السلوك والاعتقاد وعمل حساب للآخر والتخلي عن الأنانية والنرجسية.

وإذا كان الحب هو فطرة أوجدها الله في النفوس، كما أن الزواج سُنة طبيعية، فلماذا إذا لا تكتمل قصص الحب؟ ولماذا أيضا يفشل الزواج؟ لماذا نرى الأجيال القديمة – إلى حد كبير – ناجحة في تأسيس الأسر بل وكثرة الإنجاب رغم ضيق العيش ولم نر بينهم الطلاق كظاهرة منتشرة فهل كان السبب هو غياب الحب؟ أم أن السبب هو اختلاف العصر؟ أم اختلاف مفهوم الحب والزواج؟ أم ماذا؟

لماذا رغم كل ما نملك الآن من علوم متخصصة في العلاقات، ورغم كل ما ينشر عن قواعد اختيار شريك الحياة، وكيف تجذب توأم روحك، وقواعد الحب الأربعون، والرجال من المريخ والنساء من الزهرة، فإن العلاقات تفشل فشلا ذريعا!

ماذا صنعت الحداثة في حياتنا العاطفية؟

انتشار الفردية والسعي للتميز وتحقيق الذات وإخراج المارد الذي بداخلنا! والبحث عن العائد والفائدة والخيارات الرشيدة المدروسة واتخاذ القرارات التي تحقق راحة البال والهوس بالنجاح وتحقيق المنفعة الخاصة؛ هذا هو مرض العصر الحديث والذي دمر ما تتسم به العلاقات الوجدانية من ديمومة وعفوية وتلقائية بسيطة وعاطفة جياشة، حيث أن التأقيت والمدى القصير الذي تقوم عليه حسابات المجتمع الاستهلاكي الحديث، تقوم بتوليد الحاجات وإثارة الرغبات بشكل مستمر وتحول كل قديم لشيء مستهجن يستحق أن يوضع في سلة النفايات، بما في ذلك المشاعر والعلاقات!

فإنسان الحداثة تختفي عنده الثقة وتسوده المغامرة فيأكل من الفاكهة المحرمة وهو يظن أنه سيجد جنتة المفقودة، مخدوعا بالوعد: قمة اللذة، منتهى النشوة، غاية المتعة. فيتخلى عن الرباط الدائم ظنا منه أنه يتخفف من مسؤوليات ولا يحرم نفسه من فرص قد تظهر وآفاق قد تستجد، لكنه يجد نفسه في النهاية تعيسا يحتاج إلى مستشار نفسي وخبراء تنمية بشرية يقودون حياته بنصائح وكورسات باهظة الثمن والتكاليف كي يجد شريك حياته ويجذب توأم روحه!

إنه عصر قطع الغيار واستبدال المنتج قبل نهاية فترة الضمان، وليس عصر فن إصلاح المكسور، إنه عصر الفرصة السانحة القادمة التي تجعل ما في يدك قابلا للتخلي عنه فلا ترتبط به بشدة!

فكل وعود الارتباط في زمن الحداثة لا معنى لها على المدى البعيد فهي لا تكترث إلا بالآن وهنا فقط، فعبارة «اتفقنا على ألا يفرقنا إلا الموت» لم تعد صالحة فأصبح كل شيء ممكن أن يفرقنا إلا الموت!

التمرد الصامت على الحداثة والسقوط في الفخ

كسائر مشاكلنا الحياتية والاجتماعية والسياسية، إننا نتمرد على الأوضاع دون إدراك جيد لها فنجد أنفسنا سقطنا في فخ ما تمردنا عليه كالذي يخنق نفسه بنفسه!

فنظرا لحالة السيولة التي أصابت العلاقات الإنسانية تمردت المجتمعات والأفراد ولكن هذا التمرد سقط في فخ الحداثة الذي ثار عليه لأنه لا يعلم كنهه!

تبدأ الحداثة بتفكيك المرأة كإنسان، وترسخ من مفهوم التمايز والتفاوت الأنثوي وتضعها في علاقة تفاوت أو تساوٍ مع الذكر، فتسقط المرأة هنا بين إفراط وتفريط وكلاهما غلو، فتتصوف وتزهد في الدنيا. «فأنتِ لستِ ناقصة والزواج ليس كل شيء وحب الله أسمى من كل حب!» أو على الجانب الآخر «إن البنت ما لها غير بيت زوجها، وظل رجل – أي رجل – ولا ظل حائط!».

وفي كليهما ابتعاد عن مفهوم الإنسان وعن مفهوم الدين. وفي كلتا الحالتين لم تعد المرأة هي تلك (الأم، الأخت، الحبيبة، الزوجة الصالحة) التي نعرفها والتي لها دور مستقل ومحدد داخل إطار الجماعة الإنسانية.

وبسقوط المرأة بهذا المعنى، تسقط الأسرة وهنا يتراجع مفهوم الجوهر الإنساني فيصبح البشر مجموعة من الأفراد كالذرات المتناثرة لكل منهم مصلحتة الفردية الخاصة وقصصه الصغرى التي يدور في فلكها، وتسود المادية والتعاقدية بدلا من التراحمية.
فما كان علاج قومي لمثل هذه السيولة وعدم الاستقرار وغياب الأمان الذي أصبح صفة العصر الحديث؟

إنهم اهتدوا بهدي غير هدي الإسلام واتبعوا سنن من كان قبلهم شبرا بشبرا حتى إذا دخلوا جحر ضب تبعوهم، ذلك الجحر ربما كقفص الحداثة الرأسمالية الحديدي الذى وصفه ماكس فيبر!

فكل ما فلعناه نحن كمسلمين ليس العودة لهدي القرآن والسنة، والذي علمنا إياه الحبيب صلى الله عليه وسلم أننا إن تمسكنا بهما لن نضل بعده أبدا، إنما أسسنا بيوتنا على عقد أشبه بزواج كاثوليكي لا انفصال فيه، ونسينا أن الطلاق وإن كان أبغض الحلال عند الله إلا أنه لا يزال حلالا!

فانطلاقا من نفس المنظور المادي الذي أصبح مرجعية الجميع الآن بما في ذلك المتدينين والملتزمين!
الذين إذ تقدمت لخطبة بناتهن فوجئت بحجم الكارثة، فلن يتكلموا معك عن أخلاقك ولا حتى عن أي قيم إنسانية أو دينية أو اجتماعية أخرى، إنما سيدور الحديث كله عن الشقة والشبكة والقائمة والمؤخر!

وأصبحت الوسائل غايات كحال كل شيء الآن، فرغد العيش حق ولا نماري فيه، ولا نطلب من الناس أن يلقوا ببناتهن لكل عابر سبيل لا يرى في الزواج إلا شهوة حلال فقط، إذا انقضت انقضى الزواج! ولكن أن يتحول هذا الأمر للأساس الذي تبنى وتهد عليه البيوت بدلا من أن يكون الدين والخُلق القويم هو المعيار فهذا فسوق حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم «إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».

فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم «لم ير للمتحابين مثل النكاح»، ولكنهم لن يهتموا إن كانت ابنتهم تحب هذا الرجل أم لا بل قد يرفضوه تماما لأنه لم يوافق على هذا الابتذال المادي الرخيص، وكأنه يجلس في سوق استهلاكية يشتري سلعة ويتفاوض عليها.

ويضطرونها إلى الزواج ممن لا تحبه دون أدنى اكتراث أنهم بذلك يدفعونها لزنا بشكل ما أو بآخر، لأن جسدها مع رجل ووجدانها مع رجل آخر حتى يغلب الوجدان في لحظة ضعف وتسقط المرأة في خيانة جسدية بعد الخيانة الفكرية او العاطفية، فالفرق بين الملتزمين وغيرهم لم يعد في المرجعية كما كان يفترض أن يكون، فقد ابتلعت الحداثة الجميع بل اصبح الفرق في الشكل دون المضمون، بين ما هو زنا صريح وبين ما هو زنا ولكنه على سنة الله ورسوله!

فالمهم هو الفرح والشقة والقائمة والشهود وكتب الكتاب والإشهار! إنه الجسد الذي يراه الجميع أما الروح فقل إنما هي من أمر ربي!

فإذا افترضنا أن حالات الخيانة حالات نادرة وتتعلق بالتربية – وهي ليست كذلك – فهل كانت المعالجة ناجحة على صعيد آخر في تأبيد العلاقات الزوجية بشكلها الكاثوليكي المعهود؟! تلك المطالبات المبالغ فيها لم تمنع الطلاق حتى، فقد وصلت نسبة الطلاق في إحدى الدول العربية إلى أن أصبحت الأولى عالميا بمعدل 240 حالة طلاق يوميًا، أي بمعدل حالة كل 6 دقائق، والمطلقات وصلن لـ2.5 مليون! حسب تلك الإحصاءات.

وهنا علينا أن نتساءل ما هو الحب وما هو الزواج أصلا وما المقصد الشرعي منه؟

وهل عدم الزواج جناية وهل التعدد خيانة وهل الطلاق كارثة وهل فارق السن خطيئة؟

وبعيدا عن المقاصد التي يحفظها الزواج من حفظ للنسل والعرض والدين والعقل والمال وما شابه فإن للزواج غاية أخرى كنت دائما أبحث عنها حتى وجدتها في ثنايا ما كتبته «إيثار نور» بتعبير بالغ الدقة:

«إن هناك حاجة فطرية كبشر للحب والعطاء المتبادل، وحاجة النساء للرجال وحاجة الرجال للنساء. فالزواج هنا هو المتعة الحقة في مقابل المتعة المزيفة التي من الممكن أن نحصل عليها في علاقة أخرى، لكني أريد القول، إن هناك شعرة بين المتعة الحقيقية المتبادلة التي تنير أرواحنا وقلوبنا وتسعد حياتنا، وبين الانغماس في سد الرغبات والشهوات بشكل يطمس إنسانيتنا داخله، ويحولنا لكائنات استهلاكية تمامًا، لا تنتج ولا تعرف الحب والعطاء. داخل الزواج، من المفترض، أن الإنسان لا يكون إنسانًا استهلاكيًّا يسعى لسد رغبته فحسب، بل إنه يقدم الكثير مقابل الحصول على المتعة والائتناس، فهناك «شروط» للزواج يلزم بتحقيقها، وهناك «واجبات» عليه بذل الجهد من أجلها، وهناك رغبة صادقة في داخله، أن يمنح شريكه الحب والمتعة كما يحصل عليها، وهو مسؤول عن إسعاده وراحته وتحقيق رغباته، إذن فإن هناك عطاءً متبادلًا، وفيما أعتقد، إن طبق الزواج بإخلاص حقيقي، ونية صادقة، ووعي ونضج عاطفي، فسيكون من أعظم ما يمكن أن يقوم به الإنسان، وسيحمل أسمى المعاني والقيم، فالزواج القائم على الإخلاص وليس المصالح المادية، ولا يستهلك فيه أحد الطرفين الآخر دون وجه حق، الزواج القائم على الحب والاحترام المتبادل، هو في حد ذاته عبادة وتقرب إلى الله».

هذا هو الزواج إذا، فأما محاولة الترشيد المادية التي يقوم بها الاهل، لا تؤدى إلا لتفكيك الإنسان ورده لعناصره المادية، وتفكيك الحب والزواج كذلك بنفس الطريقة حتى تنزع عنه القداسة، فيصير الزواج سوقا أو مصنعا صغيرا، تم ترشيده بشكل إجرائي مادي تماما بعيدا عن أي قيم أو أخلاقيات متجاوزة.

فيتحول الزوج والزوجة إلى تروس صغيرة في آلة كبيرة، ويفقدون بذلك المعنى أصلا من الزواج والغاية والهدف الأسمى منه، فيصبحون أزواجا في أجساد لا روح لها، بأحاسيس لا قلب لها، ويصبح الهدف هو الحصول على أكبر لذة ومنفعة ممكنة في علاقة تعاقدية كل طرف فيها يسعى لتعظيم أرباحه!

إن الأسرة هي الكهف الوحيد الذي يجمع بين الرجل والمرأة، ومن ثم فإن تكوينها دين، والحفاظ عليها إيمان، ومكافحة ما يتهددها جهاد، ورعاية ثمراتها جزء من شعائر الله.

وعندما تقوم البيوت على السكينة المستقرة والود المتصل والتراحم الحاني فسيكون أشرف النعم، فالزواج ليس نزوة عابرة، إنه صحبة دائمة وميثاق غليظ وشراكة في حياة لا تتحمل هزلا ولا عبثا، فالشروط لا يسوغ فيها التحريف ولا التقصير، والتي تعطي نفسها لا تضن بمال، وللأسف فإن الصادقين لم يعد لهم مكان في تلك المنظومة، فإن لم تكن تاجرا وتتعلم فنون التفاوض والخداع والتضليل فلن تحصل على المرأة التي تريد ولن تحصلي على الرجل الذي تريدين!

إنهم يدفعون الشباب دفعا لهذا المسلك، ومن يضلل الله فما له من هاد، ومن يخدع الأهل فإن عاجلا أم آجلا سيخدع شريكه، فالبيوت لا تبنى على الكذب أبدا، وإنما لبنتها الأساسية هي الصدق في كل شيء مع النفس ومع الآخرين.

فمن كان ناضب الحنان، قاسي الفؤاد، قوى الشعور بمآربه، بليد الإحساس بمطالب غيره، فخير له أن يظل وحيدًا أو ينفصل ولا ضرر في ذلك.

فالطلاق في الإسلام ما هو إلا وقف مؤقت لعلاقة تحتاج إلى إعادة نظر، وليست حسما صارما لهذه العلاقة، وهذا ما يفهمه كل عاقل من ختام آية الطلاق «لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا» لعل المياه تعود لمجاريها ولعل مشاعر الجفاء تبرد، وعواطف الحنان تغلب.

وفي مجتمع الرسول والصحابة من بعده لم تكن المطلقة مواطنة درجة ثانية تدفن حية كما كانت توأد البنات في الجاهلية!

فقد كانت المطلقة تتزوج بعد انتهاء عدتها، وكان الأرمل يتزوج بعد وفاة زوجته، والمرأة تقبل بالتعدد، ورفضت امرأة الزواج رغم طلب رسول الله أن تطيع أباها لما علمت ما للزواج من مسؤليات لن تقوى عليها فقالت: «والذي بعثك بالحق لا أتزوج إذا أبدا»، فما كان من الرسول إلا أن قال «لاتنكحوهن إلا بإذنهن» ولم يقل عنها «عانس»، هكذا بكل سهولة ويسر في فهم عميق للدين ومقاصده وهو دين على ما يبدو غير الدين الذي ندين به الآن!

ومنطق الحب الشريف العفيف يعطي من الوفاء والولاء ما لا تعرفه القوانين التجارية والمبادلات النفعية والعقود المادية، وما أكثر ما يفتدي الرجل المحب بيته بحياته وتفتدي المرأة المحبة بيتها بحياتها.

إن الحب بطبيعته يسعى إلى إدامة الرغبة، أما الرغبة بطبيعتها تهرب من قيود الحب، وللأسف فقد حولنا الزواج إلى مجرد رغبة، فى حين أن الزواج ليس التقاء لمزيد من الإنتاج الحيواني، إن الأسرة في الإسلام امتداد للفضيلة والحياة معًا، امتداد للإيمان والعمران على حد سواء، فوظيفة البيت الأولى هي الحفاظ على الإيمان والعبادة والخلق الشريف والمسلك القويم.

ومن المجون أن يكون الزواج محصورًا في إدراك الشهوات وطلب المتاع فحسب، فإذا استثمر المرء في علاقة حب، فما يتوقعه هو الأمان من يد العون في الشدائد، والتعزية في الأحزان، والمؤانسة في الوحدة، والغوث في المحنة، والمواساة في الفشل، والتهنئة في النجاح، والتلبية الفورية للحاجة عند طلبها.

إن خذلان الداخل يعوق الامتداد في الخارج، ويجعل الرجل ثورًا في ساقية لا فكاك منها ويجعل المرأة كالبقرة الحلوب! كلاهما لا تستفيد الأمة من زواجهما أدنى شيء اللهم إلا مفرخة لإنتاج الأطفال الذين عادة ما يكونوا عبئًا على الأمه لا عونًا لها!

ولأننا في مجتمع شرقي غير مسموح فيه بالعلاقات العلنية خارج الزواج فما فعلناه هو أننا رقصنا على السلالم، لا عشنا عيشة أهلنا وتزوجنا من تختاره لنا أمهاتنا، ولا عشنا تجارب عاطفية مكتملة وحقيقية نتعرف من خلالها على ذواتنا، صرنا مهووسين بالحب وبالعلاقات، وسارعنا للدخول في علاقات؛ أغلبها يحمل تدميرًا لنا ولمشاعرنا أكثر مما يبنينا ويفيدنا، وكل ذلك لم يحمل لنا أي نتائج جديدة ولم يحسن من قدرتنا على اختيار شركائنا، هربنا من قصور نظام الزواج في مجتمعنا لقصور آخر في علاقاتنا السطحية والمؤذية والموجعة، والمقارنات الدائمة لأنفسنا بغيرنا، ومقارنة مشاعرنا بمشاعر الآخرين من حولنا، وصنعنا غباءنا العاطفي الخاص دون أن نحل جذور المشكلة.

إن حالة الاغتراب تلك تحتاج للخروج من ذلك القفص الحديدي الذي حبسنا فيه أنفسنا وأفقدنا الاستماع لصوت الفطرة الحقيقي بداخلنا، فأصبحنا نبحث عن ملذات حسية تشبع خواءنا الداخلي، تلك الملذات التي يحصل عليها الإنسان بالكذب والخداع والتضليل، فيبتعد عن الحق رويدا رويدا حتى يفقد بوصلة الاتجاه فلا يتمكن من العودة أبدًا!

ليس الأمر خيارات أفراد يكفي تعديلها فحسب، وإن كان ذلك بداية محمودة، ولكن المشهد برمته يحتاج إلى تغير جذري، كي نسترد إنسانيتنا المفقودة، فقد أنتج العصر الحديث إنسانه الذي يناسبه وفرغ حياته العاطفية من المعنى التراحمي وحولنا جميعا إلى تروس صغيرة في آلة صماء كبيرة لا نعرف لها غاية ولا هدفًا، وأصبحنا ندور معها أينما دارت!

فلماذا لا نهتم اهتمامًا شديدًا بمحاربة الفساد الأخلاقي وهو أصل الداء عن طريق الدراسة الواعية لتكوين الأسرة الصالحة وطبيعة العلاقة بين الذكر والأنثى؟

لماذا لا نضع تحت المجهر جميع التقاليد والمعاملات التي تنتشر بيننا ونتعرف بواعثها وغايتها ومشاربها في الحياة ونُحَكِم فيها تعاليم الفطرة الإسلامية وندع الخداع والافتعال الرهيب والصمت المريب والتبرير الغريب والتكيف والإذعان العجيب؟!

ولعل ردهم سيكون «حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا» ولهم أقول: «أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون». [المائدة:104]

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد