التحالف الدولي لحماية التراث في أماكن النزاعات

درج العالم عادة أن يتكتل ويتحالف لدعم قضية سياسة أو لشن حرب ودعم عمليات قتل وتخريب، أو حماية مصالح اقتصادية، كل التحالفات على مر التاريخ الإنساني بُنيت على هذه الأُسس، ولكن أن يجتمع العالم سويًا ويتحد لقيادة مباردة تعمير لا تدمير هذا الأمر يُعتبر خرقًا للعادات الهمجية والبربرية التي سادت العالم حينًا، في سلسة الصراع بين الخير والشر يُقيم الأخيار حضارات ويهدمها الأشرار، يبنوا ليتركوا أثرًا بينما يكرس الآخرون جهودهم لهدم هذا البناء تاركين مكانه الأسى.

ولأن الورود يمكن أن تنبت حتى على فوهات البنادق، وكرد فعل لأعمال التخريب والتدمير الممنهج الذي لحق بالمواقع التاريخية وأماكن التراث الإنساني خلال العقود الماضية نتيجةً لتحالفات الحروب، تم إطلاق مبادرة في العام 2017 تحت مسمى التحالف الدولي لحماية التراث في أماكن النزاعات «ألف» ولعظمة الدور الذي سيلعبه هذا التحالف لاحقًا، اختير له هذا الاسم الرمزي الذي يحمل دلالات عميقة، ويمثل بداية لإنجاز شيء عظيم، حيث يُعتبر بداية الأبجدية اللاتينية وأول ما يتلقاه الدارس للغة العربية، ولعظمة هذا الحرف كان أول ما نطق به الملاك جبريل حاملاً رسالة من الله للنبي محمد حيث خاطبه قائلاً له اقرأ.

تقود مؤسسة ألف مع شركائها الأكاديميين إضافة للجمعيات والمؤسسات والمراكز الثقافية، المنظمات الدولية مشاريع تستهدف المواقع الأثرية والمتاحف ومجموعاتها بالإضافة إلى المخطوطات والوثائق ومحفوظات الأرشيف في الدول التي تعاني من النزاعات، وتشهد عدم استقرار سياسي، تركز المؤسسة جهودها في الدول التي عانت أو تعاني للآن من الآثار المدمرة لهذه النزاعات، حيث تهدف مشاريعها لإعادة ترميم المواقع في هذه الدول خلال وبعد النزاعات، تتوزع جهود ألف في كل العالم، ولكنها تولي أهمية لمنطقة أفريقيا والشرق الأوسط لتمكين المجتمعات المحلية هناك من التمتع بتراثهم الثقافي الملموس.

يُعد موقع «عدوليس Αδουλίς» الأثري الواقع على البحر الأحمر في شمال إريتريا وهو موقع هام من العصر الأكسوميتي، حيث كان الميناء الرئيسي لمملكة أكسوم التي قامت في الفترة من القرن الأول إلى السابع الميلادي، حيث تقوم ألف وشركائها المحليين بترميم هذا الموقع وإتاحته لاحقًا للمجتمعات المحلية هناك، بالإضافة إلى ثلاثة من أروع الكنائس الأثرية التي بنيت في القرن السادس الميلادي.

فقد مُتحف الحضارات في ساحل العاج في العام 2011 مجموعة من أندر القطع جراء أعمال نهب وسلب نتيجة للصراع الدائر هناك، تدعم ألف مشروع طموع لإعادة ترميم مبنى المتحف وتأمينه لتقليل الأضرار التي تنتج لاحقًا، كما تسعى المؤسسة لوضع خُطط طوارئ لمُجابهة مثل هذه الأخطار في المُستقبل.

يُعتبر العراق موطنًا للكثير من الحضارات ويتميز البلد الواقع في حزام ملتهب بالصراعات منذ عقود بالكثير من الثراء الثقافي، خلال فترة الصراع وسيطرة قوى الظلام على أجزاء من العراق تعرضت مواقع أثرية لتدمير ونهب مُمنهج، استجابت مؤسسة ألف وقابلت العنف بالوُد ودعمت مشاريع لإعادة ترميم المواقع في متحف الموصل ومدينة الموصل القديمة، موقع بيت توتنجي الأثري، دير نار بهنام، مزار مام راشان التاريخي في جبل سِنجار ومناطق الأقلية الإيزيدية.

في لبنان دعمت المؤسسة مشاريع إعادة إعمار كنيسة القديس أنطوني الموجودة في المنطقة القديمة في الأيوبي بالقرب من طرابلس، يحمل الموقع خصوصية تاريخية للمسيحيين والمسلمين هناك على حدٍ سواء، من طرابلس اللبنانية الى طرابلس الليبية تتخطى جهود ألف الحدود لحماية مواقع التراث الإنساني في العالم، حيث دعمت مشروع لجمع الموروث الثقافي الليبي بالإضافة لمتحف السرايا الحمراء في قلب العاصمة طرابلس والذي يضم مجموعة من أندر القطع في شمال أفريقيا.

في وسط الرمال أقام الشعب المالي حضارةً متدثرةً بقناع من الجمال كما وجوه السكان هناك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد