إن الاختلاف في وجهات النظر أمر فطر طبيعي، وله علاقة بالفروق الفردية إلى حد كبير، وعلى ذلك فالناس مختلفون لأجل ذلك، يقول الله سبحانه وتعالى «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً».
وَمِمَّا يؤسفني أن يتحول الاختلاف في وجهات النظر من ظاهرة صحية تغني العقل بخصوبة الرأي، واطلاع أوسع على وجهات نظر متعددة وزوايا رؤية مختلفة، تحول عن كل هذه الإيجابيات عند المسلمين والعرب في عصرنا هذا إلى مرض عضال وسم زعاف، أدى إلى التآكل والتفتت والتشتت والتدابر والتناحر حتى يصل الأمر إلى أن أعداء الدين أقرب إليه من المتحالفين له بالرأي من إخوانه.
لأجل ذلك سأستعرض في هذا المقال كيف عاش الصحابة في ظل اختلاف آرائهم. وكيف نحن نعيش اليوم كالمسلمين والعرب، وكيف يعيش الأوروبيون، لقد اختلف السلف، رضوان الله عليهم، في مسائل سياسية ولكن اختلافهم في الرأي لم يكن سببًا لافتراقهم؛ لأن وحدة القلوب كانت أكبر من أن ينال منها شيء. مثلًا اختلاف أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب في مسألة تتعلق بالسياسة، وهي التسوية في العطاء.
أبو بكر كان يرى التسوية في العطاء ولا يفضل أحدًا على أحد، محتجًّا بأنه لا يجعل ثمنًا لأعمالهم التي عملوها لله، وكان يقول «إنما أسلموا لله وأجورهم على الله وإنما الدنيا بلاغ. بينما عمر بن الخطاب يرى التفضيل بين الصحابة، وكان يقول «لا أجعل من ترك دياره وأمواله مهاجرًا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، كمن دخل في الإسلام كرهًا، ولا أجعل من قاتل مع رسول الله كمن قاتل ضده في حين من الأمر ثم تاب وأسلم».
ولَم يجعل عمر القسمة في العطية بين الصحابة سواء. في حين أن أبا بكر الصديق يقول هذه الدنيا وهذه معاش لا يتعلق به شيء من الآخرة، أجور الناس على أعمالهم الذين تقولون إنهم هاجروا وقاتلوا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، يؤجرون عند الله وينالون ثوابهم عند ربهم، أما أنا أقسم عطاء دنيويًّا وليس أجرًا على الأعمال. في حين الفاروق يقول لا يمكن لي أن أعطي رجلًا أسلم مقدمًا وقاتل مع النبي، صلى الله عليه وسلم، كمن أسلم متؤخرًا ربما كان له قتال ضد النبي، صلى الله عليه وسلم.
قولان من رجلين عظيمين نعتز بهما، وهما عينا الإسلام.
هناك مسائل أخرى اختلف فيها الصحابة منها سياسية وأخرى فقهية، ولكن الصحابة استطاعوا حسم الخلاف دون أن تبقى في النفوس رواسب الإحن وتوحد كلمتهم، وما زاد خلافهم إلا حبًّا فيما بينهم. فمثلًا، أبو بكر، رضي الله عنه، حين استخلف عمرًا، رضي الله عنه، قال لبعض المسلمين «اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك».
وحين قال أحد الصحابة لعمر، رضي الله عنه، «وأنت خير من أبي بكر!».
أجهش عمر بالبكاء، وقال «والله  ليلة من أبي بكر خير مِن عمر وآل عمر».
تلك نماذج من الاختلافات بين شيخين، رضي الله عنهما، اختلفت الآراء وما اختلفت القلوب.
ولكن أين نحن اليوم كعالم إسلامي، نعم نحن في خلافات وخصومات وانشقاقات وصراعات ونزاعات وحروب، لم تحقق المزيد من الضعف والتفكك والتشرذم في وحدتنا، وهذه تعكس بشكل واضح وجلي العلة المستعصية في جسد وقلب النظام العربي وحكوماته الفاشلة، وارتها عدد كبير من أقطار الدول العربية لإرادة الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. ولَم يكن الخلاف بين قطر من جهة، وبين السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة أخرى أولها. إن هذا الخلاف هو امتداد لسلسلة طويلة من العلاقات التي اكتظ بها الفضاء العربي. وسأستعرض بعضًا منها بإيجاز.
الخلاف السعودي التركي: أعادت التصريحات المنسوبة لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، خلال زيارته إلى مصر، والتي هاجم فيها تركيا، طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين البلدين، ولاسيما أنها جاءت بعد أحداث تثير التوتر غير المعلن في العلاقة بينهما، خاصة بعد اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، الذي اغتيل داخل القنصلية السعودية في تركيا.
أما العلاقة التركية المصرية فتمر بحالة من التوتر؛ إذ حذَّر المتحدث باسم الخارجية المصرية تركيا من أن أي محاولة للمساس بحقوق مصر السياسية في المنطقة الاقتصادية شرقي البحر المتوسط مرفوضة وسيجري التصدي لها. هذه التصريحات تأتي ردًّا على التصريحات التي أدلى بها داوود أوغلو، والتي أعرب فيها عن عدم اعتراف تركيا بالاتفاق المبرم بين مصر وقبرص.
أما الخلاف بين قطر ودول الخليج ودول أخرى بين المعلن والمخفي. في عام 2017 قررت كل من السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة ومصر وبعض دول أخرى إسلامية قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر. وهذه ليست أول مرة التي تقطع السعودية والإمارات علاقتهما مع قطر. في مارس (آذار) 2014 سحبت كل من السعودية والبحرين والإمارات سفرائها لدى قطر بسبب ما وصفوه بعدم التزام الدوحة بمقررات جرى التوافق عليها سابقًا بمجلس التعاون الخليجي.
في حين الدول الغربية توحدت سياسيًّا واقتصاديًّا وحتى عسكريًّا من خلال حلف «الناتو». مع اختلاف سياساتهم الداخلية لكل دولة في الاتحاد. وتؤكد  الاتحاد أهدافه الرئيسيَّة تتخلص في تأسيس مواطنة أوروبية تضمن الحقوق الأساسية والحقوق المدنية والسياسية، وذلك إلى جانب العمل على ضمان مبادئ الحرية والأمن والعدل، كما يهدف الاتحاد الأوروبي إلى دعم التقدم الاقتصادي والاجتماعي من خلال التأسيس لسوق مشتركة وعملة موحدة.
وجدير بالذكر أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تتنازل عن بعض حقوقها السيادية للمصالح العامة للاتحاد. في حين أن الدول الإسلامية والعربية لم تنجح في تحقيق أي مشروع استراتيجي مشترك، مثل السكة الحديدية، أو مرافق الطاقة، أو حتى مراكز الأبحاث.
بينما شعار الاتحاد الأوروبي هو شعار الوحدة والهوية الأوروبية في اتجاه أوسع. ومن أهم السياسات الموحدة للاتحاد الأوروبي:
1.  السياسة الخارجية: ينسق الاتحاد الأوروبي وينفذ السياسات الخارجية للدول الأعضاء، حتى من المنطقي أكثر التحدث بصوت أوروبي واحد.
2.التعليم والتدريب المهني: يعمل الاتحاد الأوروبي لتوحيد النظام التعليمي في الدول الأعضاء، بالإضافة إلى الاعتراف المتبادل بالمؤهلات الأكاديمية والمهنية، ويشجع على تبادل الطلاب والعمال.
3. الاتحاد الجمركي: يتأكد الاتحاد الأوروبي من أن جميع الواردات يجري التعامل معا على قدم المساواة، وتتطابق مع معايير الصحة والسلامة، والمعايير القانونية الأوروبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حب, سياسة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد