تتعدد أوجه الحب وطقوس ممارسته داخل المجتمع المغربي، الذي تتسم علاقاته (البين – اجتماعية) بما فيها علاقة السلطة مع الفرد بارتكاز كبير على العاطفة، بدءًا بالتجديد السنوي للطاعة والولاء لرئيس الدولة حيث يطرح السؤال حول طبيعة هذا التجديد، أي ما إن كان نتاجًا لتحولات إيجابية يفرزها النظام السياسي أو تأكيدًا على امتداد سيادة السلطة الملكية بحكم الارتباط العاطفي بينها وبين الفئة المبايعة؟

إذا عدنا إلى الخطاب الملكي الذي وجهه رئيس الدولة مخاطبًا الشعب المغربي في الذكرى العشرين لعيد العرش، يستوقفنا إدراجه لعبارة (ويعلم الله أنني أتألم شخصيًا، ما دامت فئة من المغاربة، ولو أصبحت 1%، تعيش في ظروف صعبة من الفقر أو الحاجة). إن هذا النزوع نحو الاستمالة العاطفية بقدر ما يقلص الهوة الإكسيولوجية بين الحاكم والمحكوم، بقدر ما يحافظ على مسافة الاحتراس بينهما، حيث تنتقل السلطة من وضعية المركز إلى وضعية الهامش بغرض التملص النسبي من المسؤولية، أي أنها تمثل في هذه الحالة فردًا من أفراد الشعب وتبدي تعاطفها مع الموقف الجماعي المشترك تجاه هشاشة الأوضاع الاجتماعية. إنه خروج من حالة التعالي لاحتواء حالة الرفض، أي أنه بهذا المعنى لا يسم موضوعة الحب في حد ذاتها، وإنما غائية صد العدو الرمزي التي تمثله الفئات المعارضة، حيث توجد قضية العدو، يصبح الدور الوحيد للمنظمة، أيًا كانت، هو السيطرة على الكره، وفعليًا محو عواقبه. على حد تعبير آلان باديو.

لابد أن ننتبه هنا إلى أن لموضوعة الحب هذه أبعادًا مختلفة داخل العلاقة بين الفرد والسلطة، التي تحتمل تفاعل الفئة الشعبية مع الخطاب الملكي الذي يعد بالحب، أكثر من تفاعل الفئة نفسها مع حزب سياسي يتبنى خطابًا مشابهًا، كما هو الحال بالنسبة لحزب الحب العالمي الذي تأسس حديثًا، وأفرز جملة من المواقف الساخرة في المجالين الواقعي والافتراضي، بما يكشف عن هشاشة العلاقة بين المواطن المغربي والحزب السياسي نتيجة فقدان الثقة في العمل الحزبي. إن ردود الأفعال هذه تضعنا أمام مفارقة اجتماعية – سياسية، حيث يجزئ الموقف الجمعي السلطة، وهنا تظهر أهمية الحفاظ على مسافة الاحتراس التي تقود الرأي العام إلى توجيه الاتهامات نحو الأحزاب السياسة باعتبارها طرفًا محركًا لا محركًا داخل النظام السياسي.

إن عبارة رئيس الدولة (ويعلم الله أنني أتألم شخصيًا…) تحتوي خطابًا مزدوجًا، عبر التوسل بمعجم ديني داخل آخر سياسي لتكثيف الفعل العاطفي دون حفز المرسل إليه على مساءلة ما لم تقله الرسالة، أي قراءة اللانص الذي يفيد أنني أتشارك معكم الحالة النفسية ذاتها بما أنني أتألم مثلكم، وكلانا يتساءل عن العلة بما أنني وإياكم خارج خانة المسببات، ومن ثم هناك فاعل خارجي يجب أن نتساءل حول طبيعته؟

إن هذا النوع من الخطابات الذي يتصف بالنعومة إنما يتخفى خلف العاطفة، لتغييب أبعاد العنف داخله وهو عنف رمزي غايته الحرص على استمرارية الولاء. إنه تعبير عبادة الشخصية هذا النوع من الانتقال الجمعي للحب إلى شخصية سياسية، كما يتكلم عن ذلك آلان باديو، إن العاطفة بين الفرد والسلطة بهذا المعنى، تتحول من محرك إنساني محايث إلى وسيلة دفاعية تخدم مصالح السلطة الحاكمة. فإذا عدنا إلى مسألة تأسيس حزب الحب العالمي، سنجد أن غالبية ردود الأفعال تشي برفض ضمني لهذا الحب الذي تعتبره مزيفًا، ومن ثمة فإن علاقة الطرفين في هذه الحالة يغلب عليها الاختيار فيما تحكمها في الحالة الأولى قوة العنف الناعم، وهنا يظهر تعامل الرأي العام مع النظام السياسي تعاملًا قائمًا على عبادة الشخصية، التي تكون دائمًا خارج حسابات المساءلة من منطلق أن فساد الدين لا يعني بالضرورة فساد الإله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد