إذا شعرتَ بإحساس غريب وأنت تَقلب الصفحة الأخيرة في الكتاب، الذي أنهيت قراءته وكان هذا الشعور أقرب إلى فقدان صديق عزيز عليك، فاعلم عزيزي القارئ أنك قرأت كتابًا رائعًا تعلقت به وعشت معه أدق تفاصيله الحميمية، والتي يصعب على الكثيرين أن يشعروا بها، لأن هذا الشعور أقرب إلى العلاقة العاطفية بين الزوج والزوجة، هذه العلاقة تُترجم في عالم القراءة لتصبح بين القارئ والكتاب، هذا أقرب وصف برأيي لهذه الحالة.

ما أجمل أن ننعزل لفترةٍ من الزمن برفقة كتاب! تحادثه ويحادثك، تشرح له ويشرح لك، تشكو له همك ويشكو همه لك، تغازله ويغازلك، وتبوح له بأسرارك ويبوح لك بأسراره، هذه العلاقة الرومانسية الخاصة بينكما تعجز الكلمات والمجلدات مجتمعة في هذا العالم بأن تصفها وصفًا يعطيها حقها الكامل.

هل تعلم أن الكتاب هو من أوفى وأطيب الأصدقاء الذين من السهل أن تلتجأ إليهم في أصعب الظروف التي تواجهك، وسط منعطفات هذه الحياة، هو الوحيد الذي يتحملك ويواسيك ويخفف عنك الآلام والضغوط بمختلف أنواعها، هو الوحيد الذي يقدم لك نصائح واقعية لتسير عليها.

أتلذذ بالقراءة وأستمتع بما تخفيه السطور من معانٍ ومفردات، وكأنني جالسٌ مع من أحببت وعشقت في حياتي أستبدل وقت اليأس والملل بوقت الرومانسية والقراءة الهادئة، ما أجملها من أجواء هادئة خاصة غير قابلة للتعميم؛ لأنها مرتبطة بهؤلاء ممن أغرتهم وجذبتهم أنوثة القراءة، وجمال الكتاب ورونقه، خاصة بمعشر الباحثين عن الهدوء النفسي والتأمل الرومانسي الممزوج بلهفة طلب المزيد من جرعات الإيجابية والعفوية وحب الحياة.

اقرأ ما تخفيه لك الصفحات بكل هدوء وتروٍ، اجعل العلاقة روحانية بينك وبين الحرف، ولا تسع فقط للحصول على الفكرة أو المعلومة، بل تأمل السطر وتَلمس الحرف كالأم التي تلتقي بابنها بعد طول غياب، واستحضر الذكريات والتجارب بحميمية مطلقة، وكما قيل القراءة بلا تأمل كالأكل بغير هضم، وهنا يكمن العشق الأكبر بأن تقرأ هذا الكتاب ثلاث مرات، وتتعمق وتكتشف ما يخبئه لك من جماليات ممزوجة بتجارب الحياة العملية.

غازل الكلمات وانظر إلى عينيها برفق، وإبتسم لها وأخبرها بمدى حبك واستمتاعك بوجودها معك، كَوّن معها دائرة مغلقة من التآلف والاحتواء والشغف، الذي سعيت جاهدًا للوصول إليه معها، عاملها كما تعامل أمك، أختك، ابنتك لا تَكُن مُجحِفًا بحقها إنها النشوة في القراءة يا سادة.

تعلمت العشقَ والحب من السطور المكتوبة من تجارب العاشقين، وأن الكتاب لا يعرف الخيانة والغدر التي يمارسها البشر على بعضهم.

تعلمت العطف والحنان من الصفحات المروية بروايات وأحاديث الأمهات، وأن الكتاب لا يعرف عقوق الوالدين الذي يمارسه بعض البشر.

تعلمت الدفاع عن المظلومين بعد قراءة سطور وصفحات من تعرضوا للظلم والقهر، وأن الكتاب يُحرِم الظلم والقهر والإجرام الذي يمارسه البشر.

ستنعم روحك بالطمأنينة والسلام والهدوء الرباني عند قراءتك لأول كتاب، فكيف بعد 50 كتابًا؟ ستتعمق أفكارك بالواقع وتبدع في إيجاد الحلول لكل ما كان يعترض طريقك من عقبات كنت تظنها قبل القراءة بأنها ستنهي حياتك.

سُئِل الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير: من سيحكم العالم مستقبلًا؟ فأجاب: «القراء»، نعم هم وحدهم القادرون على إدارة أصعب الأزمات، هم القادة الفعليون لهذا العالم الذي سيتهاوى ويسقط دون وجودهم فيه.

أنصحكم بالقراءة ثم القراءة ثم القراءة، قارئ اليوم هو كاتب الغد، ليست نصيحة فقط، بل هذا الواقع بعينه.

«القراءة للنفس كالرياضة للجسم، ولا ينمو العقل إلا بالقراءة والتفكير» أعتقد أن هذه الجملة تختصر الكثير والكثير من فوائد القراءة ومنافعها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد