الإخلاص في العمل ضرورة حتمية

إن أول نقطة يجب إدراكها قبل الولوج في أي عمل دنيوي هي الإخلاص المحض له، وإدراك أهمية هذه الخطوة وإيجابياتها إذا ما قدمت بشكلها الخالص من أية شائبة.

ومحاولة الجمع بين ثلاث نقاط أساسية لا غنى عنها: «المحبة – الإخلاص – المادة»، فإذا ما اختل أحد هذه العناصر تشوه العمل، وخرج عن جوهره؛ ليصبح مجرد عمل لأجل الكسب، وإذا كان كل عمل لأجل الكسب تخبط المجتمع، وسادت فيه اللامبالاة، وانهار الاقتصاد، وتبعثرت جهود الثقافة، والأخلاق، والوعي، وسخف العقل، واحتكر العمل؛ لأنه بذلك خرج عن إطاره الجمعوي ليصبح مكسبًا فرديًا بحتًا.

من هنا وجب الحديث عن أهمية الإيمان والإخلاص لكل جهد نقوم به، بعيدًا عن أية فلسفة مادية، هذه الأخيرة التي هي مرحلة أخيرة ملزمة وثابتة تترتب تلقائيًا نتيجة لسابقاتها.

اليوم في مجتمعنا اختل هذا التوازن، وسقطت هذه المبادئ؛ فصار لزامًا أن تحذو حذوًا لا أخلاقيًا للوصول إلى العمل نفسه، فغلبت البيروقراطية والمحسوبية وغابت بذلك المبادئ والقيم، وإذا ما وصلت إلى منصبك تمسكت به بكل الطرق، وتشبثت به بكل ديكتاتورية، وغاب السؤال الأهم:

لماذا أعمل؟ ولأجل من؟ ليكون الجواب لأجل نفسي من دون أيه نية لتطوير المجتمع ونفض غبار الفوضى والتبعية والاحتكار.

فشهدنا خلال كل هذه السنوات ضعفًا كبيرًا في مستوى الوعي وتخبط أخلاقي رهيب، وتراجع حضاري مزر، فالسير على خطا سليمة وهادفة كصدق النية وموافقة الشريعة مساوية للكسب، فالفرق شاسع بين العمل لأجل الذاتية الأنانية أو أن تخلص لكلا العنصرين: لنفسك، ولغيرك، وهنا تكمن المعضلة التي لم يصل إليها العقل بالشكل المطلوب، إلا بنسب قليلة كي لا أكون مجحفة في رأيي.

سأسلط الآن ضوءًا خافتًا على مهنتين أساسيتين: الطب والتعليم، هذه الأخيرة التي لها قدسيتها ومكانتها التي لا يختلف حولها اثنان، أصبحت اليوم مجرد مهنة جافة لكسب العيش، فلم نشهد ثورة تعليمية حقيقية منذ عقود طويلة وأصبح المعلم – ولا أريد أن أعمم – بنسبة 70٪ مجرد موظف يبحث عن مصالحه، ولم يعَ بعد جوهر وقدسية التعليم.

أما بالنسبة للطب هذه المهنة النبيلة التي تجردت من إنسانيتها، خاصة في المجال الخاص، أصبح الغاية منها جمع ثروة لا غير، والمريض بالنسبة لهم هو رصيد بنكي لا ينضب.

لذا لا يمكن أن ننكر أن كل موظف، إن لم يخلص في عمله، ولم يسلك مسلكًا قيمًا ونبيلًا قلب الكثير من الموازين بشكل سلبي، فالمحامي إن لم يخلص، والقاضي إن لم يخلص، والصحافي إن لم يخلص، والمدير إن لم يخلص، فسدت المنظومة ككل، وتجردت كل القطاعات وشاعت الفوضى واللامبالات، وبذلك ينتشر الفساد، وتعم الشائعة، وتدمر حقوق الناس، ويكثر الظلم، والجور، وتضيع الأخلاق.

فالإخلاص في العمل ضرورة حتمية؛ لأنها لا تتعلق بشخص في ذاته، بل مرتبطة بحياة الناس والمجتمع، نحن نشهد اليوم صراعًا حول المناصب، نعم هذا شيء جيد ويبدو طبيعيًا، لكن ما هي ماهية هذا الصراع؟ وما الداعي له؟ هل تصارع لأجل نفسك وتلبية رغباتها؟ بعض النظر عن الآخر، أم أنه لديك الكثير لتقدمه من أجل مجتمع حضاري واع وسليم.

نحن اليوم في أمس الحاجة للوقوف على جوهر تفكيرنا، غايتنا، أهدافنا التي يجب أن تكون هدفًا واحدًا، وغاية واحدة، وتفكيرًا واحدًا، وهي النهوض ببلداننا، الخروج من جسد الأنا للولوج إلى جسد الكل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإخلاص
عرض التعليقات
تحميل المزيد