بضغطة زر بدأت تُنسج خيوط التواصل مع أحد المنضمين للعالم الأزرق، ضمن شبكات التواصل الاجتماعي أو ما يسمى ببساطة «الفيسبوك». وكعادتها بعفوية تقدم نفسها وتُعرِّف باسمها وسنها وما يتعلق بها من معلومات – متحفظة على اسمها العائلي وانتمائها القبلي. كما كانت تعتذر دومًا لأصدقائها الرقميين بكونها دخلت العالم الافتراضي كي تعيش بعيدًا عن العنصرية القبلية والانتماءات التي تُصنف الأشخاص في خانات حسب عَراقة قبيلتهم أو حجمها داخل المجتمع الصحراوي المغربي. فنجحت فعلًا في خلق اسم رقمي لها أصبح يميزها وتُعرف به بين أصدقائها الذين توغلوا في أعماق روحها بتفاصيلهم. إلا أن أحد المٰضافين لحسابها الفيسبوكي كان له مكان ومكانة خاصة. إذ تطور التواصل معه إلى أن أصبح تواصلًا عميقًا يعني الروح ووصل لدرجة «الحب» ولا يختلف اثنان على سلطة القلب حين يحب. فهو سلطان ومن حق السلطان أن يختار. إلا أنه في قاموس العنصريين، تعود الكلمة والحسم للقبيلة في قرار الاختيار. استمر تواصلهم أشهرًا ولحسن الحظ أو لسوئه ربما، كانا من نفس المدينة ولا تفصل بينهم سوى سنتين من العمر. فكان يتابع خطواتها ويترصد الأماكن التي ترتادها لعله يظفر بلحظة حديث مباشر معها. وقد نجح مرات في ذلك مع سبق الإصرار والترصد. كان عسكريًا من حماة الحدود وفرض عليه حبها أن يحاول الانضمام لصفوف الجنود الذين يشغلون منصبًا داخل المدار الحضري. وكلفه ذلك الكثير من ماء وجهه، تذللًا لرؤسائه وطلب عطفهم عليه كي ينقلوه. كما كلفه ذلك هدايا لبعض الضباط كي يفتحوا له طريقًا إلى الكولونيل الذي يأخذ زمام أمور الجهة التي يشتغل بها. انتهى به الأمر إلى طلب قرض من البنك كي يسدد المبلغ المتفق عليه مقابل تحقيق طلبه كرشوة – أو تهذيبًا للفظ – «هدية» لأحد المسؤولين كي ينقله من الحدود إلى المدينة. لم يكن كل هذا من أجل القرب من وسائل العيش الضرورية والمنعدمة في الحدود. ولا للقرب من أهله بل للقرب ممن تحيي القلب والفؤاد وطمعًا في تحقيق الشطر الثاني من خطتهما، أي التقدم علنًا لطلب الزواج. لكنها لم تفصح له يومًا عن تعصب والدها لقبيلته وعدم اعترافه بنسب القبائل الأخرى تحت ذريعة شرف أصله وجذوره الممتدة والمعروفة من وادنون وحتى نهر السنغال. وإن بعض القبائل أصلها غير معروف ومشكك فيه! كانت دائمًا تحمل أملًا في تغير عقلية والدها وأنها ستستغل حبه لها لكي تضغط على مبادئه، لكنه كان بعيدًا كل البعد عن حسن ظنها حيث ثار للطلب واستنكر أمر الشاب العسكري بل دخل في تشكيك في أمر ابنته واتهامها بالخروج عن التقاليد والتحرر وربط علاقات خارجية. لم تكن هذه القصة يتيمة أو الفريدة من نوعها، بل يزخر المجتمع الصحراوي بقصص مماثلة كثيرة، تَفرض فيها القبيلة كلمتها فتمنع نشوء علاقات عميقة كالحب وربما تمنع حتى الصداقات بدعوى عدم ملاءمة فلان صديقًا لفلان الآخر الذي يختلف عنه في الانتماء، والأكثر من هذا تسيطر قبائل على مراكز هامة تقام الدنيا ولا تقعد حين يحتلها شخص آخر فتجتمع القبيلة لتدارس أمره قصد منعه من المنصب وكأنه ماركة مسجلة باسم القبيلة x، كما وتعرف المدن بقبائل دون أخرى.

فعلًا إنه لمن أسباب الحزن وضيق الصدر اعتماد مقاييس انتمائية.

فلتسقط القبيلة وليعش القلب الفعل والفعالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد