يدعي العلم أن الحب ليس مشاعر فقط كما يعتقد الجميع، بل هو مسألة عقلية بحتة مصدره الدماغ، وأنه عملية كيميائية وبيولوجية معقدة تحدث العديد من التغييرات الفسيولوجية، الكيميائية والهرمونية في جسم الانسان، فبعد 2500 عام من فرضية أبقراط أن «العواطف تنبثق من الدماغ» يثبت العلم أن القلب لا علاقة له بالحب، الذي يمكن فهمه في الغالب من خلال صور الدماغ والهرمونات وعلم الوراثة، وكما هو الحال في معظم العلوم لا يمكن استخلاص استنتاجات ثابتة، لكن ما تم معرفته لليوم أن الحب يمكن تفسيره بالكيمياء غير أن الجانب الهرموني من المعادلة معقد للغاية، لأن الحب بدوره عاطفة معقدة تثيرها 12 منطقة محددة من الدماغ تبدأ بافراز هرمون الدوبامين الذي يعطي المحب شعورًا بالقوة والإحساس باللهفة والرغبة في تكرار رؤية المحبوب، فيصبح حبه إدمانًا، وتكون شدة المشاعر لديه مشابهة لتأثير المخدرات.

ويتحكم المخ في إفراز هرموني الأدرينالين والنوارادرينالين، وذلك عند رؤية الحبيب فتتسارع ضربات القلب، وينتج الجسم المزيد من النوربينيفرين والسيروتونين وهرمون الحب الأوكسيتوسين وكل واحد من هذه الهرمونات يسبب ردود فعل مختلفة تثير سلوكيات معينة، فمثلا النوربينفرين يجعل الإنسان يشعر بمشاعر قوية تجمع بين السعادة والعصبية، أما السيروتونين فيجعلك تشعر بالحماسة والسعادة الجنونية، ويتم إنتاج الأوكسيتوسين في منطقة ما تحت المهاد في الدماغ ثم ينتقل إلى الغدة النخامية التي تفرزه إلى الجسم، ويرتبط هرمون الحب بالعديد من المشاعر والحالات التي يمر بها الجسم ويؤثر بشكل كبير في مشاعر بناء العلاقات البشرية وتكوينها.

 وفقًا للعلم يبدأ الحب الحقيقي في الدماغ، وحسب الدكتور بروس ليبتون عالم بيولوجيا الخلايا الجذعية ومؤلف الكتاب الأكثر مبيعا «بيولوجيا الإيمان»: «عندما نشعر بالحب فإن خلايانا لها اهتزاز الحب أيضا» حيث تتناغم الخلايا العصبية في عملها مع الهرمونات لتنتج حالة من المشاعر والعواطف تجعل الإنسان واقعا في الحب.

ولا شيء يعبر عن الحب في قوته واجتياحه وغزوه للقلوب مثل الحرب وما تفعله بالأوطان ولو كان الفارق لغويا يختصر بحرف واحد، إلا أنه لا مجال للمقارنة، فالحب يبني قلبا فانسانا فحضارة، والحرب تهدم هذا كله على رأس الحب، غير أن البيولوجيا تربط بين هذين الاثنين فهي تسير جنبا إلى جنب مع الرومانسية، ويعتبر استخدامها في الحرب مفهوما قديما نسبيا يعود إلى ما يقرب من 2500 عام وتعني بيولوجيا الحرب باختصار إساءة استخدام العلم بتوجيه القدرات الموجودة لإحداث عواقب وخيمة أو قاتلة على البشر والحيوانات والنباتات، وعلى مر التاريخ تطور استخدام البيولوجيا في الحرب من الاستخدام الخام إلى تطوير الذخائر المتخصصة وجعلها أكثر وحشية حتى أصبحت تعرف «بالقنبلة الذرية للرجل الفقير».

 بالرغم من أن التطور الحديث في مجال علم البيولوجيا إضافة إلى التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة بشكل كبير خلال العقود الأخيرة أدى إلى فوائد عظيمة بشكل عام لا يمكن حصرها، إلا أن هذه التطورات كانت تنطوي أيضا على إساءة استخدام الإمكانات والإنجازات العلمية في صنع أسلحة تسبب الأمراض وتنشر آثارها على مدى الزمان والمكان، وفي الواقع ووفقًا للتاريخ كانت الأمراض مسؤولة عن حالات وفاة أكثر من جميع الأسلحة المستخدمة مجتمعة في العديد من النزاعات، وبالرغم أن المعاهدات الدولية أدانت استخدام وتطوير وإنتاج وتخزين الأسلحة البيولوجية والكيميائية وتم حظرها عالميا بموجب هذه المعاهدات، لكن القوانين الدولية والمعاهدات شيء فهي تبقى حبرا على ورق، وقدرة البشرية باستمرار على ابتكار طرق جديدة لقتل بعضها البعض شيء آخر!

 إن النظر إلى الحب والحرب من منظور البيولوجيا، هو إدراك أن الحب مجرد حالة يصنعها العقل تنشأ فيها العواطف والمشاعر وتنمو وتموت في خلاياك، لكن وفي المقابل ليس ضروريا أن يكون عامل الحرب عسكريا أو مسلحا فالبيولوجيا كانت أيضا جزءا محوريا من الحرب؛ فبينما بيولوجيا الحب تغير من طبيعة الهرمونات وكيمياء الدماغ ولها الكثير من الآثار الجميلة على المحبين، فبيولوجيا الحرب تغير من طبيعة الأمراض الموجودة لجعلها أكثر ضررا، ويكفي القليل منها لإحداث أضرار أكثر وحشية وأشد فتكا بالبشرية، يكون السلاح الأكثر تدميرا هرمونا وليس قنبلة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحب, الحرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد