(الولاء والبراء) ركن من أركان العقيدة الإسلامية، وشرط من شروط الإيمان، والمقصود بالولاء حكمًا هو النصرة والمحبة والاحترام لله ولرسوله وللمؤمنين، والمقصود بالبراء هو البعد والبغض والعداوة للكافرين والمشركين. فمن شروط اكتمال إيمان المؤمن أن تكتمل موالاته لله ولرسوله وللمؤمنين، ومعاداته للكفار والمشركين.

وتلك نتيجة نهائية عامة، أصلها ومبدؤها هو أنه – أي المؤمن – مأمورٌ بأن يحب كل ما أحبه الله ويبغض كل ما أبغضه الله من شيء، وذلك الأمر له وجهان أحدهما أنه علامةٌ أو حكمٌ وصفيٌ لما سيكون عليه حالُ المؤمن حالَ استكماله لإيمانه، وهو ألا يحب إلا لله ولا يكره إلا لله، والآخر أنه أمر تكليفي أو دليل إرشادي يوجب سعيَ المؤمن إلى أن يتحقق بهذا الأمر، بحيث يصبح السبب الباعث إلى حبه لأي شخص من الأشخاص أو أمر من الأمور محكومًا بالمنطق الإلهيّ في هذا الصدد، ومرتبطًا بالمراد الإلهيّ لا ينفصل عنه.

وذلك التصور يجعل من الحب واجبًا أخلاقيًا، لا مجرد حالة أو ظاهرة نفسية كما هو التصور الشائع، أي أن تلك النظرة تجعل الحب شيئًا مأمورًا به في بعض الحالات، ومنهيًا عنه في حالات أخرى. والشواهد في ذلك كثيرة منها؛ قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله عز وجل) وقوله: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار) وقوله: (من سره أن يجد حلاوة الإيمان فليحب المرء لا يحبه إلا لله).

وبالنظر إلى ما سبق يتبين أن تلك النظرة الإسلامية إلى الحب – كما إلى الكره بالمقابل – هي نظرة تتجاوز تلك النظرة السطحية التجزيئية إلى الحب على أنه مجرد استجابة شعورية بسيطة تجاه شيء ما أو شخص ما، بناء على مميزات مادية طبيعية موجودة فيه، أو سوف يتوصل إليها المحب بناء على وصوله إلى هذا الشخص أو حصوله على ذلك الشيء، وهي تلك النظرة التي تختزل الحب إلى أن تجعله مجرد دافع بيولوجيّ إلى سلوك ما، وهو ما يجدر به وفقًا لهذه النظرة الإسلامية أن يسمى إعجابًا أو انجذابًا أو ميلًا أو هوًى، لكن لا أن يسمى حبًا.

حيث إن ذلك التصور الإسلاميّ يعتمد نظرة أوسع، لا تقتصر على ملاحظة الانفعالات العاطفية الأولية – والتي ثبت تجريبيًا كونها مؤقتة وزائلة حتمًا مع مرور الوقت مهما كانت شدة بداياتها – وتطبع المعنى الكليّ للحب بطابعها، وهي النظرة التي نجدها عند بعض الفلاسفة المعاصرين الذين يعتبرون الحب في جوهره مجرد شعور ويُرجعون جميع جوانبه الفكرية والسلوكية إلى أصلٍ شعوريٍ، مثل الفيلسوفة الأمريكية Amelie Rorty. وهي النظرة التي يرتبط ازدهارها مؤخرًا ارتباطًا وثيقًا بازدهار المقاربات البيولوجية الفسيولوجية للظواهر النفسية، وانتشار التطورية؛ أو استخدام نظرية التطور والانتخاب الطبيعيّ نموذجًا تفسيريًا لكل جوانب الحياة الإنسانية، تزامنًا مع تطور أساليب تصوير المخ وغيره من تقنيات الفحص الطبية والذي صاحبه انطلاقة موضة في المجتمع العلميّ تهدف إلى محاولة التعرف إلى كل ما يعرض للوعي الإنسانيّ من خلال ملاحظة التغيرات التي يحدثها في المخ البشريّ، ونجد تلك النظرة متجسدة كمثال عند عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية Helen Fisher، وفي كتبها العديدة ككتاب Anatomy Of Love.

وهذه النظرة تختلط اختلاطًا غريبًا بعض الشيء في الثقافة السائدة، مع أخرى مختلفة عنها اختلافًا كبيرًا، وهي الرؤية الرومانسية الحالمة التي تجعل الحب عفويًا وتلقائيًا وغير محدود ولا نهائي، وهي رؤية مدرسة الرومانسية الأدبية والفكرية الأوروبية التي ظهرت في القرن الثامن عشر، وهذه الرؤية تعد بشكل من الأشكال امتدادًا لرؤية الحب في التصور الرسمي في التقليد الفلسفيّ المسيحيّ، والتي ترى الحب شيئًا خارجيًّا يغمرنا، وأن أفضل ما يمكننا فعله حياله هو أن نلتفت إليه ونستجيب إليه استجابة سلبيةً – أي مجرد أن نتلقاه – وهذه الرؤية الفلسفية المسيحية نجدها بدورها امتدادًا لمفهوم يعد صورة من صور الحب في الفلسفة اليونانية وهو الـ«agape» والذي يقترب من أن يكون مجرد اندهاش انعكاسيّ تجاه موضوع الحب، غير مبررٍ أو مفسرٍ بل وغير قابل للتفسير أو التبرير عقليًا، أو حافزًا لا منطقيًّا ولا يمكن استيعابه نحو ذلك الموضوع.

ولكن تلك النظرة الإسلامية تقترب إذن إلى حد ما من التعديل السقراطيّ لمفهومٍ يعد صورة أخرى من صور الحب في الفلسفة اليونانية، وهو مفهوم الـ«eros»، وليس في صورته المبدئية، وهو التعديل الذي أورده أفلاطون على لسان سقراط في إحدى محاوراته في The Symposium، حيث يرى أن ذلك الانجذاب الماديّ المبدئي – الـ«eros» – يمثل طاقًة يجب تعديلها وإعادة توجيهها نحو الجوانب الأعمق من الجمال – ومن الحقيقة – والتي تعد أحق (قيميًا) لتوجه الحب. وحيث يثبت للمحب دور فعال وإيجابي في تطوير حبه وتوجيهه واختيار موضوعه.

ويعد انفصال تلك النظرة الإسلامية عن التصورات الأخرى السابقة، هو من هذه الوجهة، لا في أنها تنفي أو تنكر تلك التصورات أو تستبعدها وإنما في أنها تستوعبها وتتجاوزها وتثبت للحب بعدًا آخرَ اختياريًا في طبيعته، وتثبت للإنسان لذلك قدرة على إعادة توظيف انفعالاته البدائية تلك وضبطها وإعادة توجيهها بعد عرضها على قيمه ومبادئه، وتبرز ذلك البُعد وتؤكد عليه وتعتمده في الأمر بـ(فعل) الحب في بعض الأحيان وبـ(تركه) في أحيان أخرى.

حيث يصبح الحب كحالة عامة في هذا الإطار؛ قيمة أخلاقية يتحقق بها الإنسان باختيارٍ متعمدٍ وقرارٍ واعٍ، وهو ما يتضح وضوحًا تامًا في الحديث الذي رواه البخاريّ عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد