مفاجآت أنظمة عربية للفلسطينيين

يبدو أن عجلة التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي بدأت تدور بسرعة أكبر، وتسابق الوقت لتصل إلى أبعد مسافة ممكنة قبل أي إعلان رسمي عما يسمى صفقة القرن.

الصفقة تلك ينتظر أن يفصح عن خباياها في مساقات متدرجة من قبل الإدارة الأميركية، تبدأ بمؤتمر اقتصادي تم الترويح له كثيرا يحمل اسم السلام من أجل الازدهار بهدف ما سمي تشجيع الاستثمار والتنمية الاقتصاديين في الأراضي الفلسطينية، حيث ستكون البحرين حاضنته نهاية يونيو (تموز) المقبل. ويشهد وفقًا لوسائل إعلام عديدة، مشاركة إسرائيلية مقابل مقاطعة ورفض فلسطيني تامين. ثم تنظم على مراحل ورشات لاحقة ترتبط بالسياسي والأمني المتعلق بتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من منظور أمريكي، بحسب ما سربت مصادر أمريكية وغربية.

ويسبق ذلك كله في قطار التطبيع العربي مع الاحتلال، المرتبط بالصفقة رغم كونه قديم العهد، حيث بدأ رسميا باتفاقية كامب ديفيد بين مصر والاحتلال في العام 1978، ودعمتها اقتصاديًا عدة اتفاقيات وعقود مصرية إسرائيلية منذ ذلك الحين، وصولًا إلى اتفاقية استيراد مصر للغاز من حقلي اتمار وليفياثان الإسرائيليين رغم كونها بلدا منتجًا للغاز. ثم تبعه فلسطينيًا اتفاقية أوسلو 1993 التي يرفض فريقها اليوم صفقة القرن في حين يعززون التطبيع مع الاحتلال من رام الله عبر استقبال وفود إسرائيلية وتنظيم ندوات ومسيرات تطبيعية، ومن خلال التنسيق الأمني والتبعية شبه التامة للاحتلال اقتصاديًا، مرورًا باتفاقية وادي عربة بين الأردن الاحتلال في العام 1994، والتي عززتها مؤخرًا اتفاقية استيراد الأردن للغاز الإسرائيلي 2016 رغم توافر عشرات البدائل وفقًا لأعضاء في مجلس النواب الأردني.

الحب المفاجئ!

ويظهر المؤشر الأبرز والأحدث برغبة السعودية في التطبيع من خلال قرارها الذي يفصح من خلاله نظامها عن حب فجائي لفلسطينيي الداخل المحتل، عبر فتح الباب أمامهم للعمل في المملكة وحق الإقامة الدائمة والتملك فيها كجزء مما سمي خطة لفتح البلاد أمام المستثمرين الأجانب، وهي الخطوة التي لاقت ترحيبا من الاحتلال واعتبرها محللون إسرائيليون فاتحة التطبيع السعودي معه باستخدام ورقة فلسطينية ظلت بصمودها شوكة في قلب مشروعه الاستيطاني العنصري، وبما ينسجم بالضرورة مع أهداف مؤتمر البحرين الاقتصادي.

ويتجرع الفلسطينيون كل هذا الحب الفجائي الاقتصادي والسياسي من نظام عربي يخشى الإفصاح عن علاقاته السرية بمن يحب، ليجنوا نتائج أسوأ في حقيقتها من أن يكون الاحتلال وحده المتسبب بها. فقد اعتادوا أن الحب المفاجئ ما هو إلا طعم ينصب لهم في محاولة لسلب ما عجز المحتل عن سلبه منهم بعد حروب وجرائم خلفت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى والدمار منذ أكثر من 71 عامًا، وشهدت استماتتهم في المقاومة والكفاح دفاعًا عن وجودهم وأرضهم، والهدف في عمقه هو تصفيتهم وتحويلهم إلى شيء يشبه الشعوب المحلية في أمريكا وكندا.

ويحصل ذلك الحب المصلحي تجاه الفلسطينيين ليتم الإيقاع بهم فيكونون فوهة المدفع في أي مصيبة سيتجرعون مرارة نتائجها أكثر من أي أحد آخر، وهو ما جرت عليه عادة النظام العربي لتعويم الفلسطينيين قبل تعريضهم لنكبات جديدة.

وليس غريبًا أن عجلة التطبيع السعودي مع المحتل التي ستمر وفق المخطط له فوق جماجم الفلسطينيين، ستزعم أنها عجلة الخلاص لهم وتضعهم عند أول مفترق طرق ستسير فيه فوقهم نحو نهاية هم خارج حدودها أصلًا ولا يعترف بوجودهم فيها، وبما يتناسب مع المقاس الأمريكي الإسرائيلي لتحسين الأوضاع الفلسطينية.

والأولى بالسعودية لو افترضت حسن النوايا من حبها ذاك أن لا تمنع اللاجئين الفلسطينيين دخول أراضيها، وهي حالة عربية شبه عامة، وألا تحرم حملة الوثائق الفلسطينية من أداء العمرة وفريضة الحج التي هي أعظم من كل الأوراق الثبوتية، إن كانت المسألة مجرد أوراق. لكن اللاجئين الفلسطينيين ظلوا يعاملون بدرجة أقل من كل البشر في المنظور السعودي خصوصًا والعربي عموما بدلًا عن أن تنطبق عليهم الآية الكريمة الأقربون أولى بالمعروف، ولم تعد تنطلي على معظمهم قصص الحب الفجائي، بل إن لاجئيهم قانعون تمامًا أن التضييق عليه ليس مسألة وثيقة سفر أو حقوق أساسية فحسب في هذا البلد العربي أو ذاك، إنما استهداف لهم ولقضيتهم بضغط ممن يشغلون النظام العربي ويدعمون الاحتلال.

مؤشرات سابقة للتطبيع

ويشار هنا إلى أن بذور التطبيع السعودي الجديدة تفسخت بوضوح شبه رسمي منذ أعلنت شركتا الطيران الهندية اير انديا والإسرائيلية العال توقيع السعودية والشركة الهندية اتفاقية في فبراير (شباط) 2018 تسمح بموجبها السعودية للشركة الهندية تسيير رحلات جوية مباشرة بين مومباي وتل أبيب.

ولا تنسى أيضًا قصة الإسرائيلي الروسي بن تسيون تشدنوفسكي الذي زار المسجد النبوي العام 2017، أي قبل قصة خطوط الطيران، والتقط صورًا يرتدي فيها ثيابًا عربية، مدعيًا أن لا أحد اقترب منه بغرض الاعتداء في الدول العربية والإسلامية التي زارها ومنها السعودية، وهي القصة الأولى التي أثارت الجدل في هذا السياق وأشعلت مواقع التواصل الاجتماعي حينها.

كما أضيف تطبيع ثقافي ذو نكهة دينية عبر عنه كثير من الشيوخ المحسوبين على السلطة السعودية بحديثهم عن إسرائيل بإيجابية في موقع «تويتر» ومنصات التواصل الاجتماعي والتلفزيونات، فضلًا عن نشطاء وسياسيين ودكاترة جامعات سعوديين نظروا للتطبيع من عدة جوانب وحملوا الفلسطينيين مسؤولية كل ما يصيبهم من موت واضطهاد داخل فلسطين وخارجها.

ومؤخرًا شهدت المدينة المنورة كتابة يافطة ترحيبية تتضمن كلمة شالوم باللغة العبرية، وهو حال قناة إم بي سي التي تضع كلمات عبرية في واجهات تعريفها الوصفي على قوائم التلفزة، دون معرفة الدوافع والأسباب لذلك، وهو ما أكده عرب كثر يقيمون في دول غربية ويشاهدون القناة على أقمار أخرى.

وفي مثل هذه الأيام الرمضانية العام 2017 تعود إلى الأذهان عبارة لن ننصر الأقصى التي برر فيها أحد المتصلين السعوديين على برنامج تلفزيوني على قناة الفجر الفضائية موقفه ذاك بأن حماس وقطر تستخدمان الأقصى لأهداف سياسية فهو لن ينصره متذرعا بما ذهب إليه من مزاعم، ومحورًا نصرته لأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين إلى مسار سياسي لا يمت إلى الأقصى المبارك وعقيدة المسلمين وعروبة القدس بأي صلة.

فلسطينيو 48 .. ظلم مركب

وترتبط الحادثة تلك بما يجري اليوم، حين تساق نوايا تحسين السعودية لأوضاع فلسطينيي الـ48 اقتصاديًا على أنها دعم لهم، وهي ذات المزاعم التي يقدمها المؤتمرون في البحرين لفلسطيني الضفة وغزة، فهل يعقل أن يتم ذلك لفلسطينيي الداخل فجأة دون تسييس أو استخدام من قبل من سيسوا نصرة الأقصى؟ وهل يمكن أن يصير من لا يرغب بنصرة الأقصى ناصرًا لفلسطينيي الـ48 وهو الذي ساهم نظامه السعودي نفسه بعزلهم عن محيطهم العربي والإسلامي طيلة 71 عامًا، ولم يقدم لهم ما يعزز صمودهم داخل أرضهم التي أقيم عليها كيان الاحتلال قبل أن يلهث للتطبيع معه ويبشر الفلسطينيين بإمكانية العمل والتملك في الأراضي السعودية بدل تعزيز وجودهم في المدن المهودة والقرى المهجرة.

وفي ذاك يلام النظام العربي برمته وفئات واسعة من المجتمعات العربية التي تسيء النظر لفلسطينيي الداخل، إذ غفل كثيرون عن عظيم نضالهم وأهمية تثبيت وجودهم وضرورة الانفتاح عليهم وتدويل معاناتهم، وكونهم الفئة التي إن فقدها الفلسطينيون فقدوا عمق قضيتهم المتمثل بالمهجرين والأرض، وإن أصابتها أي هزة فلن تحمد عقباها على كل شعوب المنطقة، وهو ما تخطط دولة الاحتلال لتنفيذه بأيدي أنظمةعربية تطبع معها في الخفاء وتجاهد لتطبيع في العلن تشرعنه صفقة القرن باعتبارها الحل النهائي من منظورهم، والذي يتاح بعده المحظور.

الممانعون وحب الفلسطيني!

ولا ينفصل عن كل ذاك المشهد، كيف أن اللاجئ الفلسطيني أصابه ما أصابه في العراق ولبنان وسوريا، فالحب الفجائي الذي تعرض له في هذه الدول غير المطبعة مع الاحتلال والتي تزعم أنظمتها القائمة وميليشياتها الرديفة أنها ممانعة ثم تستثمر سياسيا في دماء الفلسطينيين، كان أسوأ في جوانب عديدة من حب الراغبين بالتطبيع لفلسطينيي الـ48، ولا سيما من قبل النظام السوري وحلفائه بمن فيهم الإيراني وهم الذين يتغنون بفلسطين ليل نهار، إذ تسبب هذا الحب الكبير في قتل آلاف الفلسطينيين وتهجيرهم ومسح مخيماتهم عن الوجود بدءا بلبنان على يد الأسد الأب، وصولًا إلى سوريا في عهد الابن الممانع وحلفائه، فهم لم يبقوا ولم يذروا للفلسطينيين شابًا أو دارًا، ودمروا مخيماتهم ومجتمعاتهم وأبرزها مخيم اليرموك الذي يمثل عاصمة الشتات الفلسطيني، مثلما فعلوا في كبريات المدن السورية انتقاما من الشعب وثورته.

كما مورس ضد الفلسطيني من قبل الأنظمة ومفرزاتها وفي كثير من الأحيان معارضاتها في تلك الدول، الاضطهاد الطائفي والسياسي والاجتماعي، والذي يفوق في كثير من أوجهه نظام الفصل العنصري الأبهارتايد والتمييز العرقي، وينسجم مع ممارسات الاحتلال العنصرية ومساع واشنطن لتصفية حق العودة وقضية اللاجئين وحل وكالة غوثهم الأونروا.

ولقد كانت أنظمة الحكم العربي تمارس ذاك الحب بشقيه الاقتصادي والسياسي مع الجاليات الفلسطينية، وهو ما أسفر مع أول مناسبة عن قطع أرزاق الفلسطينيين ومضايقتهم سياسيًا وأمنيًا وطردهم بالجملة كما جرى في ليبيا والكويت قبل عقود قريبة، رغم أن الشعب الفلسطيني، وليس قيادته وفصائله، لا يتحمل ذنبًا في أي مأساة لحقت به بسبب الإشكالات التي وقعت بين أنظمة تلك الدول وقيادة منظمة التحرير، لكنه دفع الثمن من فاتورته.

ماذا بعد؟

والواضح بعد القرار السعودي والمشهد العام لأوضاع الفلسطينيين، أن الراغبين بالتطبيع ودعاة الممانعة في النظام العربي سيان في النتائج الكارثية على هذا الفلسطيني، فالحب المؤقت خاصتهم _ وهو الحب ثلاثي الأبعاد في زمن لهاث التطبيع ومساعي التصفية ومزاعم الممانعة _ يصير على غير حال في أية لحظة وفقا للرغبة أو المصلحة أو أوامر المشغل، بل يصير حبًا قاتلًا للفلسطيني لحظة أي تبدل غير متوقع في الأمزجة والمواقف، وعند أي خطوة تالية في تنفيذ الإملاءات، وعندها تضعف الرؤية ويتشتت الفلسطيني في فرز الأصدقاء والأعداء حين تصيبه السهام من كل الاتجاهات.

وعندها يأتي دور الأحرار وشعوب المنطقة، ولا سيما العربية بمثقفيها ونشطائها وسياسييها وإعلامييها والقائمين بحراكاتها وثوراتها ومناهضي التطبيع فيها، للوقوف صفًا واحدًا في وجه كل ذاك الاستخدام الذي يتعرض له الفلسطينيون من الأنظمة ومن يدعم بقاءها، باعتبار الشعوب هي الجهة الوحيدة القادرة على دعم الفلسطيني، فهي صاحبة الحب الذي لا مصلحة ولا مراء فيه لفلسطين وشعبها، وهو الحب الذي لا يتضمن مكرً٠ا تحت مسميات اقتصادية عريضة أو شعارات سياسية زائفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد