الحب هو ذلك الشعور الرائع الذي ينتابنا عندما نرى عيون من نحب أو نسمع صوته، بل حتى عندما نشم عطر من نحب كما قال يعقوب – عليه السلام – إني لأجد ريح يوسف. لدرجة أننا عندما تلتقي عيوننا بعيون من نحب، نتمنى أن يتوقف الزمن، أن تتوقف الأرض عن دورانها حول نفسها وحول الشمس، نشعر أن كل أحزاننا اختفت، وهمومنا تلاشت، كل شيء يبعث الحزن والأسى يموت ويحيى، كل شيء يبعث على الأمل والتفاؤل. خلال تلك الثواني القليلة يشعر أحدنا بأن نغمة صوته قد تغيرت، وأن أنفاسه قصرت، وأنه يكاد يسمع دقات قلبه مع كل خطوة يخطوها الحبيب للاقتراب منه. الحب هو الشمس التي تطرد الظلام من الأرواح والنفوس المظلمة، وكما أن للنور مراحل تألق وانطفاء وتوهج وخفوت فالحب أيضا مراحله.

مراحل الحب الثلاث

الحب يمر بمراحل ثلاث أساسية تظهر أعراضها على الجسد بما يفرز من هورمونات. وعلامات الحب الجسدية هي تورد الخدود، وتسارع نبضات القلوب، وبرودة الأطراف. وتلك يصاحبها في داخل الجسم علامات كيميائية تدل على أنك وقعت في الحب فعلا.

1. مرحلة التلهف أو البذرة.. كما أسميها

تبدأ هذه المرحلة فجأة بدون أية مقدمات، وغالبا ما يكون المحرك الأساسية لها نظرة من عيون الحبيب، أو ما يسمونه الحب من أول نظرة، كما قال الشاعر:

إن العيون التي في طرفها حور … قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به … وهن أضعف خلق الله أركانا

أو كما قال آخر:

ليت الذي خلق العيون السودا … خلق القلوب الخافقات حديدا

تلك النظرات هي بذرة الحب الأولى، في هذه المرحلة لا يرى الحبيب أي عيب في حبيبه، يشعر بأنه لا يريد غيره، وأنه من كان ينتظره طوال حياته، وأن عيني الحبيب وبسماته تختصر كل شيء جميل في الحياة، ويتشوق للقائه بشدة، وفي كل مرة قبيل لقائه يقف لفترات طويلة أمام المرايا، ويلبس أجمل الثياب ويضع أطيب العطور، متسائلا، ترى هل سأعجبه؟ هل يبادلني نفس الشعور الذي أشعر به، وهل يعلم مقدار حبي له؟ وفي هذه المرحلة يكون المحب تحت تأثير هرمونات (التستوستيرون والإستروجين).

2. مرحلة الانجذاب أو الاستكشاف أو الأزهار.. كما أسميها

وهي أهم مرحلة في الحب، حيث على نتائجها تبنى العلاقة أو تتلاشى، فهي التي تحدد إن كانت تلك البذرة أصابت التربة المناسبة والمناخ النفسي للحبيب الذي يكفل استمرارها ونموها وخروجها إلى عالم الحب النوراني لكي تكبر وتزهر، أم أنها كانت على خطأ. في هذه المرحلة يعلم كل طرف ما هو أجمل شيء في الطرف الثاني، وما هي عيوبه، فيعلم أنه ليس ملاكا كما كان يظن أو قد ينتهي ما اعتقدنا أنه حب وتبدأ عبارات: (أنت تغيرت) (لا بل أنت) (لم أعلم أنك كذلك)… إلخ، كلام ومشاكل تكبر شيئا فشيئا؛ حتى تنتهي بعلاقة حب فاشلة، ولربما عاين أحدكم مثل تلك الحالات، أو قد تنمو بذرة الحب لتصبح نبتة جميلة مزهرة تنشر عطرها وشذاها على المحبين وعلى من حولها؛ ليتجذر الحب في قلوب وعقول العاشقين.
تقول الباحثة هيلين فيشر إن الهرمونات التي ينتجها الدماغ عند الوقوع في الحب تجعل المحب أكثر قوة وتركيزا وحيوية، بحيث يستطيع أن يقطع مسافات كبيرة سيرا على الأقدام، ويصبح أكثر قدرة على التحمل والجلد فتراه يسهر الليالي بدون تعب أو نوم، بل قد يكون مستعدا للموت في سبيل ما يحبه ولا يبالي، فهذا عنترة يصف لنا مشاعره وهو في خضم معركة حامية الوطيس تسفك فيها الدماء وتتناثر الأشلاء، وتهوي بها السيوف على هام الرؤوس، ويجزع لهولها الفرسان، لكن عنترة في تلك اللحظه كان في عالم آخر كان في عالم الحب فيقول:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني … وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها … لمعت كبارق ثغرك المتبسم

والمسئول عن تلك الحالات حسب الدكتورة فيشر مجموعة من الهرمونات وهي الدوبامين والأدرينالين والسيروتونين.
يشار الى أن المحب إذا وصل لهذه المرحلة، ثم حالت الاقدار والظروف بينه وبين الحبيب، سيبقى متيما به حتى آخر يوم في حياته، سيحمل صورته في خياله، وذكراه في قلبه وعقله حيث ما حل وارتحل، وكلما رأى شيئا جميلا تذكر الحبيب، كما قال محمود درويش:

كل وجوه الناس تذكرني بك ووجهك يذكرني بكل شيء. أو كقول ابن زيدون:

إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا … والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله … كأنه رق لي فاعتل إشفاقا

وقد يوصله عشقه واشتياقه لوصاله إلى حد الجنون فيهيم على وجه، ولا تنفع كل المحاولات لجعله ينسى كما حدث مع قيس بن الملوح (مجنون ليلى)، حيث يقال أن والده أخذه إلى مكة المكرمة لعله ينسى ليلى، ويعود إليه عقله فقال:

ذكرتك والحجيج لها ضجيج … ببكة والقلوب لها وجيب
أتوب إليك يا رحمن أني … اسأت وقد تضاعفت الذنوب
وأما عن هوى ليلى وحبي زيارتها … فأني لا أتوب

وقد يفسر الفراق سبب تعلق العشاق بأحبائهم حد الجنون، حيث أن القاسم المشترك بين الذين خلد التاريخ حبهم هو أن الفراق حال بينهم، مثل قيس وليلى، عنتر وعبلة، جميل بثينه، وتوبة ليلى.
لذلك أن كنت تعلم أنه لا سبيل للوصال بينك وبين الحبيب بسبب ظروف قاهرة أو فوارق دينية أو مادية أو طبقية، فادفن بذور الحب في قلبك ولا تجعلها تنمو لتصل لهذه المرحلة، فإن الألم الذي تواجهه في دفنها وهي بذور لا تقارن بمقدار الألم الذي قد لا تستطيع تحمله بعد أن تزهر لتذبل أنت وهي في النهاية.

3. مرحلة التعلق أو الإثمار .. كما أسميها

 هذه المرحلة تصبح الصورة عن الطرف الآخر أكثر نضجا ووضوحا لا يندم صاحبها على تلك العلاقة أبدا، فعندما يقرر المحبون الارتباط بالزواج ومن ثم إنجاب الأطفال حتى الهرمونات تتغير في هذه المرحلة لتأخذ العلاقة شكلا أكثر نضجا، في هذه المرحلة يتحول الحب إلى شجرة مزهرة تثمر عن حب ناضج وأطفال كالبراعم. ويظهر نوعين من الهرمونات يتم إفرازهما من خلال الجهاز العصبي، وهي تلعب دورا أيضا في التعلق الاجتماعي الترابط طويل الأمد، فيجعلان النظرة للحب أكثر شمولية فتأخذ العلاقة شكلا من الرحمة الود والاحترام أكثر من العشق والشغف والهيام – سبحان الله برمجة إلهية – وهذان الهورمونان هما هورمون أوكسيتوسين وهورمون فازوبرسين.

نظرة شخصية

منذ فترة كنت جالسا في مكان عام، وإذ بالمسجد ينادي بأنه هنالك ذكرى لوفاة إحدى النساء، التفت وإذ بجانبي شيخ قارب الـ70 من عمره تلألأت من عينيه دمعتين مع خيوط الشمس، سألته: ما الذي يبكيك يا عماه؟ فقال: إن المنادى عليها هي زوجته. تساءلت مليا، بالتأكيد أن الهرمونات قد توقفت في هذا العمر فما الذي جعله يبكي في هذا العمر؟ أنه الحب الناضج، نعم أنه الحب المبني على الاحترام والود والرحمة والتراحم والوفاء والنقاء، ويحضرني هنا موقف حدث مع الخليفة الثاني عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – عندما جاء أحدهم يريد تطليق زوجته، فسأله أن كانت مقصرة بحقه فقال: لا، غير أني لا أحبها، فقال له عمر: ويحك، ألم تبن البيوت إلا على الحب، فأين الرعاية والتذمم؟

بمعنى أن البيوت والعلاقات بشكل عام تبنى على المودة والرحمة والإحسان، لا على الحب وحده، الحب لبنة من لبنات العلاقة الناجحة، ومن الدلائل الحاسمة على أن العلاقات لا تبنى على الحب وحده، قول الله عز وجل: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً). (الروم – 21) ذكر الله سبحانه المودة والرحمة ولم يذكر الحب؛ لأنهما بالضرورة يحتويان الحب، لكن ليس الحب المبني على الهرمونات، إنه الحب المبني على الرحمة، الحب الذي يرقى بنا، لأن الحب وحده قد يقتل صاحبه ويذهب بعقله، لكن لا قتل ولا جنون مع المودة والرحمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رأي, صحة, علم نفس
عرض التعليقات
تحميل المزيد