إذا بحثنا عن تعريف الحب في كتب الأدب قديمًا، لن نجد أفضل من تعريف ابن حزم الأندلسي للحب في كتابه الشهير – طوق الحمامة – والذي يقول فيه صاحب الكتاب: «الحب – أعزك الله – أوله هزل وآخره جد، دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل وقد أحب من الخلفاء المهدبين والأئمة الراشدين كثير» انتهى كلامه. فالحب يستطيع أن يتمكن من قلوب أقوى الرجال، ويترك أثر المعاناة فيهم أثرًا لا يتركه في القلوب إلا الحب.

فالحب والألفة ليس مقصورًا على فئة معينة من الناس، سواء كبارًا أو صغارًا، أشراف القوم، أو بسطائه، أغنياء أو فقراء، ولا حتى على نوعية واحدة من المخلوقات، فجميع المخلوقات لديها المشاعر التي تمكنها من تبادل الألفة فيما بينها، ولا يمكن أن تجد مجتمعا تسوده العلاقات الاجتماعية القوية المترابطة دون أن تسود الألفة بين أفراده.

وسنتوقف في هذا المقال – إن شاء الله – للحديث عن الحب المتبادل بين الشاب والفتاة، والتعرف أكثر على الاختلافات الكثيرة التي ظهرت بين الماضي والحاضر.

في الزمن الماضي، ظهر من المحبين الكثير، وأشهرهم على الإطلاق كان عنترة، وعمر بن أبي ربيعة، وقيس بن الملوح، وقيس بن الذريح، وجميل بن يعمر، وكَثّيرِ، وابن زيدون، وابن الأحنف… وربما نحتاج موضوعًا مستقلًا لذكر المحبين في العصور الماضية؛ ولا يوجد وقت لذكر البقية، ونكتفي بما ذكرناه.

لا شك، عزيزي القارئ، بأنك لاحظت أن الأسماء المذكورة كلها أسماء شعراء ذاع صيتهم، وتعرفهم العامة والخاصة، وليس الأمر بالغريب حقًا، إذا قلنا بأن شهرتهم الكبيرة – باستثناء عنترة – جاءت من بعد دخولهم معركة الحب، فألقى الحب بنفسه على قلوبهم وسيطر على ألسنتهم وعقولهم، وقادهم إلى إنتاج موروثٍ أدبي ضخم، وما زالت هذه التركة موجودة إلى يومنا هذا، وبذلك نجد أن الحب قديمًا كان يأخذ بيد العاشق الولهان إلى تعلم الأدب، ويخرج من داخله أفضل نسخة أدبية، وهناك الكثير من الشعراء الذين لم يقولوا الشعر إلا بعدما أصبحوا في عداد العاشقين المتيمين، فأنشدوا أشعارًا صادقة، تعبر عن صدق عواطفهم.

ولنضرب مثالًا على الشاعر قيس بن الملوح مجنون ليلى، ونتخيل أن الحب لم يدخل قلبه، ولم يعرف طريقه، ولم ينشد أي قصيدة عن الحب وما يعانيه من ألم الفراق والاشتياق، هل ستكون شهرته واسعة كما هي الآن، بالتأكيد ستكون الإجابة: لا.

فالشاعر قيس وأمثاله مما ذكرناهم، لم يكونوا ليشتهروا ويصلوا إلى هذه الدرجة الرفيعة في تراثنا الأدبي لو لم يطرق الحب بابهم.

أما في زمننا، والذي يكثر فيه الحب؛ بسبب الانفتاح الكبير في المجتمعات، نرى أن الحب ألقى بظلاله على المحب بصورة سلبية، فبعد أن كان الحب في الماضي كما ذكرنا سابقًا، يرقى بالمحب إلى تعلم الأدب وقول الشعر، أما في هذا الزمن، الذي تغير فيه كل شيء، أصبح يلقيه في الهاوية، ويعلمه قول الزور وسوء الأخلاق والأدب، والاحتيال؛ فأصبح التمرد على الأهل وعصيانهم بسبب ما يسمى بالحب ظاهرًا للعيان في المجتمعات، ويعود كل هذا الانحدار والفروقات بين الماضي والحاضر إلى أسباب كثيرة، وكان أهمها بلا شك عدم الاهتمام بالعلم والتعلم، والتقليد الأعمى لما يشاهدونه الشباب في المسلسلات التي أصبحت تعرض بكثرة على الشاشات، والذي يكون هدفها غرس مساوئ الأخلاق في عقول الشباب، وإبعادهم عن الرشد، فيلاقي شبابنا أنهم أصبحوا على شفا حفرة دون أن يعلموا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد