الحب مشاعر، والإنسان ما هو إلا جسد مادي يحوي تلك المشاعر، فالإنسان بلا شعور ليس إنسانًا. الحب والكره والغضب والتعاطف، الإرهاق والألم، هذا هو الإنسان مجموع تلك الأحاسيس، فهل تتخيل نفسك حيًا بلا إحساس!

عندما ننظر حولنا نجد بيننا من يحب من أول نظرة، والذي يحب حتى بلا نظرة، وآخرون ما أن يخرجوا من علاقة حتى يدخلوا أخرى، وعلى جانب آخر في نفس العالم، نجد من لا يرغب في الحب ومن يجد صعوبة في التعايش مع آخر، ومن لا يجد في أي آخر شريكًا لحياته. تلك الأمور مجتمعة يمكن تلخيصها في «طاقة الحب».

أفسر ذلك من خلال تجربتي الشخصية مع الحياة وخبرتي المتواضعة في ما أسميه طاقة الحب، تلك الطاقة التي تجعله يرى في الجنس الآخر مكملًا، ويرى فيه ضرورة ورغبة، طاقة ليست لدى كل منا، وليست بنفس القدر لدى كل الناس.

يحدث أحيانًا أن نقابل شخصًا قد استنزف طاقة الحب لديه في علاقات فاشلة مثل الوقوع في حب شخص غير متناسب معه، أو حب من طرف واحد، أو حتى العيش في وسط يزيد حالة الكره لدى الإنسان ويجعله أكثر غلظة.

هناك في هذا العالم قصص حب عظيمة نسمع عنها بين الحين والآخر، في رواية أو فيلم، أو على لسان أحد الأقارب عن قصة حب بين فلان وفلانة من قدماء العائلة، قصص نموذجية، ولكنها ليست مرتبة ولا مجهزة، إنه الرزق فقط. وليس الذكاء أو المهارة.

الرزق في الحب يتمثل في أن يلتقي الطرفان في مكان، وأن يتحابا وأن يمتلكا طاقة كبيرة لدى كل منهما ومتساوية. وهو أمر من الصعب أن يتحقق، ولكن المهم أن كليهما يمتلك من الطاقة ما يكفي ليمنحهم هذا التماسك والتقارب الذي تراه في النظرات والكلمات، وفي طريقة مواجهتهم للصعوبات.

إذا كنت تعاني الظمأ.. فلا تطلب من خالي المياه أن يقطر

ولكن لا تسير الأمور بنفس التفصيل، فالحياة لا تمنحنا كل ما نريد، فهؤلاء الذين يملكون طاقة للحب هم في النهاية بشر، قد يوقعهم القدر في أبعد ما قد يتمناه أحد، وهو أن تصيبهم لعنة حب من لا طاقة له بالحب، فيبدأ الطرفان العلاقة، ولكن سرعان ما ينفد رصيد أحدهم، ليجد الآخر نفسه تحول إلى دمية بين يدي الآخر، وأزمة هؤلاء المحبين والذين يمتلكون طاقة لحب الآخر – حتى وإن لم يكونوا من جنسين مختلفين – أنهم يمنحون الآخر منه بطريقة يمكن أن نصفها بمصطلح «الغشيم» يمنح ويمنح ويمنح، وينتظر مقابلًا، من شخص لا يريد أن يَظلِم ولكن ليس لديه ما يمنح، وعندما يزداد الضغط يتحول الوضع للانفجار، فتنتهي العلاقة. أحدهم يطلب الاهتمام والآخر سئم من التغول عليه بشكل فج.

أصحاب الطاقات الكبيرة.. قادرون على صنع الفرق أحيانًا

لتلك الحالة سابقة الذكراستثناء يجب ذكره، فقد يكون الآخر جميلًا ويملك من الطاقة ما يكفي الطرفين، أو على الأقل لمساعدتك في إضاءة مصباح الحب الذي انطفأ، أو إيجاد الحب الذي لم يمر على قلبك من قبل، أحيانًا تكون هناك صعوبة في ترجمة المشاعر، هل هي اهتمام أم غرام. بإمكان الآخر أن يمنحك التفسير، ولكن بشرط أن يكون هو بشخصه مقبولًا لديك.

متعدد العلاقات.. عديم الحظ

هناك من يمتلك طاقة كبيرة للحب، بلا عقل، ففي النهاية يجب أن يكون هناك مساحة كبيرة للعقل لكي يقوم بدوره في موازنة الأمور، أما أن تكون العاطفة هي محركك الوحيد، فأنت بالتأكيد تسير بلا بوصلة، تستخدم حاسة الشم لديك للبحث عن غذاء، فهذا النوع وعادة يكون من المراهقين يحب مرة كل فترة قصيرة، وتجده يحدثك عن مدى حبه، وهؤلاء نراهم كثيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، يبدأ في البحث عن طرف آخر لديه نية الحب، وفي خلال وقت قصير للغاية تبدأ منشورات الحب في ملء العالم الافتراضي، ومن الخارج تراها قصة حب عظيمة، وبعد أيام قليلة أيضًا تبدأ منشورات الجراح، ثم تنتهي العلاقة. ليبدأ من جديد. هؤلاء يتعلمون، ولكن بعد أن يكون الزمان وضع علامات كبيرة داخل نفوسهم.

الحب.. مركب بقبطانين

على عكس المثل الشائع الذي يقول «المركب اللي ليها ريسين تغرق» فإن الحب ليس كذلك، فالحب بقائد واحد ينتهي، والحب بلا قيادة ينتهي، فهناك مراحل لا يمكن أن تمر سوى بالتشاور والفكر والعقل والاتفاق والانسجام، لا يمكن أبدًا أن تمر دونما تصريح.

في الحب هناك قائدان، وهم طرفا العلاقة، يمران سويًا من المنحنيات المظلمة، يجب أن يقف أحدهما في المنحنى حاملًا المصباح للآخر آخذًا بيديه حتى يعبر لطريق السلام، لا يمكن أن ينتظر أحدهم من الآخر دومًا أن يؤدي هو نفس الدور، فبعد فترة سيتحول لعبء، وعادةُ الإنسانِ أنْ يكرهَ الصعوبات.

زواج الصالونات.. الحب يأتي متأخرًا

علاقة الزواج عن طريق المعارف والأقارب من أنجح العلاقات كونها تتم في النور وعلى مرأى ومسمع من الجميع، وباتفاق آراء الأسرة وتقييم الوضع، ولكن الرزق هنا أهم عامل، بعد العقل والتدقيق، كل من يلجأ لزواج المعارف لم يلجأ له سوى لكونه يبحث عن شريك لحياته، كونه لديه طاقة لكنه ليس من هؤلاء أصحاب القلوب الكبيرة، الذين يتبادلون الحب في كل وقت وحين.

لو تهيأت الظروف، ووُفِّق الطرفان في اختيارهما، وكان الطرفان صالحيْن، فإن الحب ونجاح العلاقة هو النتيجة الحتمية، فمع مراعاة أن تبحث عن شخص مناسب، أن تنتقيه بعقلك وبعقل ذويك، فأنت اجتزت مرحلة هامة، ربما تكون هي الأهم، ففي النهاية «المودة والرحمة» كما ذكرها القرآن الكريم، هما تاج الزواج.

بعد ذلك تبدأ طاقات الطرفين في الظهور للنور، يحب كل منهما الآخر وهو يعلم ما فيه، وتبدأ في نسج شبكة الحب حول الطرفين في فترة الخطوبة. ببساطة يعود السبب لرغبتهم في تبادل الحب.

قصص الحب المجيدة

قصص مثل «روميو وجوليت» و«قيس وليلى» هي قصص عظيمة، كونها كتبت بحرفية شديدة جدًا حتى وصلت إلينا عبارة عن مقطوعات من الحب الجميل، ولم تتناول جانب ما بعد الزواج، لأنه الجزء الذي لم يأت أحد على ذكره أبدًا، كونه لم يحدث من الأساس، إنما ما حدث هو أن تلك العلاقات الحالمة يملك طرفاها من الحب طاقة وفيرة، واندفاعًا كبيرًا، جعلهما يلتقيان على هدف واحد، وهو الحب، وتلك الطاقة لا تستمر طويلًا لأن الإنسان لا يعيش في هناء وسعادة دومًا، وتحتاج إلى تجديد، وأوقات راحة.

في النهاية أود أن أقول إن تقدير العلاقات ورؤيتها ومدى متانتها وقدرتها على الاستمرار، وكذا طبيعة نشأتها وتاريخها، هي معايير مختلفة، من الصعب جدًا أن تتفق أو تتشابه لأن كلًّا منها يعود للطريقة التي يرى بها كل شخص الأمور، وسجل حياته العاطفي بنجاحاته وإخفاقاته، ولكن الأهم أن طاقة الحب هي محركه الأساسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد