قد يكون للحب وجوه كثيرة ومتعددة منها ما هو واضح ومنها ما هو غامض، من الأنماط المألوفة نناقش منها متناقضة – حب الخير أو الشر – التي في مرحلة ما تذوب الفواصل بينهما، ويظهر وجه جديد بين الاثنين.

الحب الأول (الخير): هو حب الحِسان من ذوي النفوس القويمة والصور الفريدة، حب الاستغفار من أفواه العاصين، وحب الرحمة من أبدان الغاضبين، حب من رمَّمَ جدار روحك المنهدم، من سَقى للناس ثم تولى للظل غير ملتفت يرجو رحمة ربه والاتكاء على ركن شديد، من قَوُّم انعواج ظهرك، من رفع عنك أوزار همّك، من زرع بذور الخير في الأرض، رغم ما تخرجه من أشواك، من يسأل غير منتظر الرد، من يعطى غير منتظر الشكرً أولئك المحسنون للناس رغم إساءتهم، القائلون سلامًا حين يخاطبهم الجاهلون، الأبطال إلى النهاية، الخادمون بلا هوادة، هذا الحب الطاهر الذي يَعلمه الناس ويتمنونه من الجميع حب (الخير) الذي يخرج من عباد الله الصالحين فيعطى للحياة اللون الجميل والقالب المحبب هذا الحب هو الركيزة النفيسة في الفطرة البشرية.

الحب الثاني (الشر): ذلك البُعد الذى يُغلق ثنائية الحب (الخير أو الشر)، هل لاحظت يومًا أنك قد أحببت شريرًا في مسلسل أو فيلم؟ هل تساءلت عن كيفية ذلك؟ هل فكرت في أن الروح الإنسانية قد تتقبله وتتعود عليه؟ فالعالم لا يخلو من الأشرار الذين يحبونه ويتخذونه منهجًا، وبما أن الخير له جنود ومريدون كذلك الشر له مريدون ومؤيدون، وقد يأتي الشر بعدة صور مختلفة لا يفطن إليها الكثيرون، يدخل إلى الناس من أصغر تفاصيل حياتهم وأكبرها، فقد يكون على هيئة رجل وسيم، أو امرأة جميلة، قد يكون من خلال راهب كنيسة، أو قديس عليه العمامة، أو شيخ يتلو آيات ربه، قد تكون كلمة يلقيها عابر، أو فعل يقوم به عابد، فيتشرب الناس الشر تشربًا، ومنهم من يبتنيه ابتناءً، فإبليس له أتباع، والدجال يأتي آخر الزمان ومعه آلاف البشر يتبعونه، وقوم يأجوج ومأجوج يفسدون في الأرض وهم بشر.

هذان الوجهان طبيعيان في الحياة العادية، أما فى شرق العالم الأوسط وبالأخص مناطق المسلمين في العالم، تبرز تفاصيل جديدة، فَلَكْ مُختَلط، تتزعزع فيه الثوابت، وتتوه فيه القيم، وتُفرز صورة مميزة مرعبة، ففى وسط صراعات هذه الحياة، وتحت شظايا طلقات الرصاص، وعلى بقايا الأشلاء المقطوعة، وعند امتلاء الجو بروائح الدماء، والسماء صافية من الزُرقة المعتادة، ممتلئة بعوادم المدرعات، ودخان احتراق الجثث، يبدأ عزف لحن مميز ووجه جديد من الحب، قد لُوث بأيدى العابثين، وأُطلق في طُرقات البشر، يتلقفه الخائن والمنافق، البَرُ والفاجر، حب مختلط ما بين الخير والشر، لا تستطيع تحديد ماهيته، تجده كأنه بُعد ثالث قد ظهر قد نَمىٰ وهو حب الموت، وأنه كان مكروهًا في شتى بقاع الحياة، فهو محبوب وبشدة في هذه الأجواء، فالموت أقرب إليك من صديقك، فحبك للموت يدفعك لتنفيذه في غيرك قبل أن يتم تنفيذه فيك، فأنت تعشقه بشدة إن استطعت إنفاذه، حب بدون قواعد وحدود، مُطالب بهذا الحب ولو قصرًا قبل أن يُحبه غيرك، أظن أن هذا الوجه الفريد من الحب لا يعتاده الأفراد، ولكن البشرية لم تخل منه يومًا، فكم المجازر والمحارق والمذابح أكثر من أن تُحصى أو تُعد، فالبشر يتقاتلون منذ بدء خلقهم فى معارك يختلط فيها الخير والشر وكثيرًا منا قد خاض هذا الحب واتخذه منهجًا وطريقًا.

أخيرًا يدور الناس في الحياة بين شِقين حب – الخير أو الشر – يتقلبون فيهما لا يثبت أحد منهم على شِق، فمحب الظل قد يقطع الشجرة، ومن يحب رائحة الدماء قد يستنشق الوردة، من يُرمم جِدار الأرواح قد يهلكها، ومن يَسقِ الناس الخير قد يذيقهم الشر، وما بين وقوف الملائكة في منطقة البياض الناصع، ووقوف الأبالسة في منطقة السواد القاتم، نقف نحن البشر في منطقة رمادية بينهما، فلا إلى طهرانية البياض، ولا إلى شيطانية السواد، فلا يوجد في الحياة شرٌ مطلق أو خيرٌ صافٍ، فتوقع الخير من الجميع وتوقع الشر أيضًا، فالنفس مُركبة منهما، وقلوب العباد بين أصابع الرحمٰن يقلبها كيف يشاء، وإنه لِسريان الشر وانتشاره لابد من انبساط عريضة الخير وانفتاح وعائه واستقباله لكل واردة تدخل إليه بسذاجة وحمق، ولِكي يعلو الخير ويسود لابد من استنقاذه من النفوس وتطبيقه عمليًا في الحياة مع تحكيم العقل والفطرة السليمة، وإن الخير والشر في صراع إلى أن يفنى البشر، وإلى أن تقوم الساعة، ولكن بالرغم من ذلك الخير دائمًا ينتصر، الحقيقة أننا قد لا نشهد انتصاره، بل قد نكون شرارة وقود احتراقه الذى يتغذىٰ عليه حتى ينضج، وقد نصبح أيضًا من أدوات الشر ونحن لا نعلم بغبائنا أو حسن نوايانا، فطريق الشر كما قالوا مفروش دائمًا بالنوايا الحسنة، وإن النفس أمارة بالسوء، وعلى السواء إبليس قبلها أقسم على الإغواء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

رسالة إلى حبيب بعيد
منذ 3 أسابيع
علاقات
أصدقاء المرحلة
منذ شهرين
علاقات