اختلفت الأزمنة ومضت الأيام، وأصبح كل منا يمضي في طريقه، سعيًا وراء الرزق طامحًا في جلب المزيد من المال، حتى بدأ الصراع يتزايد بين أبناء المجتمع الواحد، وأصبح الشارع المصرى يعاني من أزمة واقعية وهي «السلوك» التي تدنت إلى درجة مُخزية، وبات الانفلات الأخلاقي من القضايا الخطيرة التي ينبغي التصدي لها حتى تعود العادات والتقاليد والقيم النبيلة التي تربينا عليها كما كانت، ولعل هذه المأساة لم تكن في يد الدولة أو الحكومة وحدها لكنها مسؤولية الأسرة في المقام الأول لينمو الطفل نموًا سليمًا ويصبح شخصية قادرة تتبوأ مكانتها في المجتمع، هذا المجتمع الذي يعاني الآن من الصراع الدائم بين أفراده وفق فكرة البقاء للأقوى، أو الصراع بين أبناء الشعب والطبقة الحاكمة المستغلة له وفق نظريات الصفوة الحاكمة، أو الصراع لعدم المساواة الدائمة بين الطبقات الثرية والطبقات الفقيرة، مع انخفاض الطبقات المتوسطة في مصر، ليضمحل في ظل ذلك الأجواء شعور جميل خلقنا الله به هو الحب.

والحب هنا ليس مقتصرًا على حب المرأة للرجل أو العكس، بينما الحب هو الفطرة الذي خلقنا الله بها، كي نعبده على الوجه الأكمل، فحب الله سبحانه وتعالى هو أرقى أنواع الحب وأعظم مقامات العبادة لدى الإنسان، لأنها تزيد رغبة المؤمن في التقرب إلى الله، ويوجد حب الوالدين لأبنائهما، وحب الصديق لصديقه، وحب الأخ لأخيه، وحب العمل، وحب الوطن الذي يسري في وجدان كل مصري أصيل، فلازال الحب مؤثرًا في حياة الأمم والشعوب، واليوم يبذل الندل قصارى جهده لنشر العنف والقتل والإرهاب من أجل إسقاط الوطن، فضلًا عن تجار أحلام الغلابة وآمالهم الذين كانوا أول من سرقوا أموال هؤلاء الغلابة مثلهم مثل تجار الدين، نعاني من وجودهم في حياتنا، فلماذا لا نعيش على الحب والوفاء والصدق؟ هل لأن المادة صارت أهم الأشياء لدينا؟!

لقد افتقدنا إنسانيتنا وعندما افتقدنا هذه الصفة النبيلة بداخلنا، افتقدنا معها أعظم القيم وأنبلها، فالحب أن أهتم بك في أقسى لحظات حياتك، أن أدعو لك دون أن تعلم، أن أصون حقوقك ولا أطمع في مالك وعرضك. والإنسان الذي يتمتع بالاستقرار النفسي، يشعر بحاجة دائمة إلى المشاركة الوجدانية مع الآخرين، كتعبير عن المحبة الصادقة لهم في مختلف ظروف حياتهم، وهذا ما حثنا عليه ديننا الحنيف.

نحتفل كل عام بقيمة الحب دون تطبيقه في حياتنا، فالكثير من أفراد المجتمع لديهم مشاكل تجاه أنفسهم وتجاه المحيطين بهم، وبالتالي يعيش الفرد في صراعات نفسية مستمرة، والمستحيل أن ينتج الإنسان طالما أصبح قلبه مليئًا بالحقد والبغض تجاه الآخرين، وللأسف أصبح مكان العمل في أغلب الأحيان عالمًا مليئًا بالنفاق يلوذ بالمناصب والترقيات كل ما لديه ذكاء اجتماعي في التقرب من المسؤول، وهذا ما أدى إلى غياب الكفاءات عن تولي القرارات المصيرية، وعدم القدرة على تقديم الاقتراحات المبتكرة للنهوض بالمجتمع، وانتشار الفساد بكامل أركان الدولة ليكون من الصعب اقتلاعه، لذلك يُعد الحب هو السبيل الوحيد لمد الإنسان بالسعادة في الحياة التي تجعله دائم الحيوية والإيجابية، يتعاون مع أفراد مجتمعه للإنتاج في العمل، والتطور الفكري والتكنولوجي، لتحقيق النتائج المطلوبة بشكل إبداعي وأقوى.

لقد ظل الحب حُلمًا محبوسًا بداخلنا نستهين به جميعًا أو نعتبره شيئًا نادرًا حدوثه أو وهم كبير لا ينبغي أن نعيشه حتى أصبحنا مثل ما نرى بعضنا اليوم، وقد أبرزت أطهر وأنقى الثورتين أسوأ ما بنا، واليوم نحن في حاجة إلى ثورة على النفس، ثورة على السلوك ونزع الغل والحقد بداخلنا، ثورة تقودنا إلى الحب كي نستعيد بها روح التسامح والمودة، ونكون كالجسد الواحد، الذي قال عنه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحب, المجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد