-1-

“هنا مصر .. الخطأ في أقدرانا”

الحب أنواع. ونحن في هذا المقال نخصصه لواحد منهم لا شريك له، هو بوضوح الحب بين الرجل والمرأة.

ونحن في ذلك لا نتغاضى عن الأنواع الأخرى تقليلا من شأنها أو إغفالا لدورها في حياة البشر، ولكننا نفعل ذلك لأن هذا النوع هو بالأحرى ما يشغل بال قارئنا في تلك اللحظات من عمره وعمرنا، قارئنا الذي يشاركنا هموم جيلنا الذي كُتب عليه أن يحيا في أيامٍ صعبة وعلى أرضٍ لها خصوصيتها، خصوصية قد أثرت على تلك العلاقة – الحب – وجعلت لها طابعا وخصائص متفردة تميزها عن مثيلاتها في سائر بلاد الله. وقد تخيرت عنوان هذا المقال على نفس اسم فيلم أمريكي اشتهر في العام الماضي مأخوذ عن قصة بائسة لمحبوبين مصابين بالسرطان، ولكننا هنا لسنا في حاجة لاستحضار ذلك. هنا مصر. الخطأ ببساطة أننا هنا. الخطأ في أقدارنا.

-2-

“م شاب مصري في الفرقة النهائية بالجامعة، وهو يحب زميلته م.س وقد أتاحت لهم الجامعة مكانًا للقاء والتعارف”.

-سنتحدث بشكل خاص عن تجربة الحب التي يقع فيها أبناء الطبقة الوسطى المصرية لسوء حظ معظمهم وحسن حظ القليل منهم.

لماذا الطبقة الوسطى؟

لأن تلك الطبقة قد حملت على عاتقها مسئولية تمثيل المجتمع المصري، هي الطبقة التي يصنعها المتعلمون والمثقفون وموظفو الدولة، هي الطبقة البائسة التي تشربت كل عُقد وتعقيدات المجتمع المصري منذ محمد علي وحتى اليوم.

لأن الناس ترى أن الاغنياء قد غادروا هذه الطبقة. هم “متغربون” أو متشبهون بالغرب، أو في بعض الأحيان لا يؤخذ على تصرفاتهم، فهم كما يراهم من أقل منهم مالاً وحظًا “حرامية ولاد كلب”، ولذلك فسوف تجد المواطن المصري يتغاضى عن رؤيته لأفراد تلك الطبقة إن رآهم أو إذا قرروا أن يغادروا نواديهم والمساحات التي يقضون فيها لياليهم. فليحبوا كما يشاؤون.

ولأن الفقر على الجانب الآخر يحرر الفقراء من الكثير من الالتزامات الاجتماعية التي تكون في أحيان كثيرة أقرب إلى نمط متكرر من النفاق المجتمعي غير المعلن، فهم بالتالي غير ملتزمين بألا يرافقوا محبوباتهم إلا في عشاء عائلي أو في مطعم فاخر، هم يجلسون بكل حرية وأريحية على رصيف أحد الكبارى أو أحد المقاعد المجاورة للكورنيش. حرية قد انتزعها لهم فقرهم.

 

-3-

م.س فتاة من أسرة متوسطة الحال، تواظب على أداء الصلوات في منزلها وهي أيضا تستمع للأغاني وتشاهد أفلام هوليوود الرومانسية وتتوق أن تمر بإحدى تلك التجارب.

 

على الرغم من تواجد الحب بعمق في الثقافة الإسلامية واقترانه في بعض الأحيان بأرقى سُبل التواصل مع الإله، إلا أن النظرة الحالية للحب بشكل ديني وبعد عقود طويلة من تأثر المجتمع المصري بالفكر السلفي الوهابي هي نظرة سلبية أو مقيدة بشدة.

أثر ذلك تباعا على النظرة الأخلاقية للحب، فالشباب الذي يستمع لأحاديث الشيوخ عن تحريم الاختلاط يؤمن بشكل واضح بأن الفتاة التي تخالط الذكور في مرتبة أخلاقية أقل من المنعزلة، وأن التي تتورط في علاقة حب حتى لو كانت مثالية وملتزمة بالمعايير الأخلاقية للمجتمع في مرتبة أقل وأقل.

كل هذا جعل من الحب علاقة خطيرة تمثل خطًا أحمر واضحًا. مَنْ تجاوزه – من الفتيات خصوصا – قد جازف بسمعته المجتمعية ومكانته الأخلاقية.

-4-

“م قد تعرف على م.س عبر فيسبوك، وقد استمر في الحديث معها لأشهر دون أن يخبر أي منهما أحدًا، بدأ في لقائها في تجمعات ولم يعلنا أي شيء طوال سنة كاملة”.

 

السرية هي الميزة الأهم لعلاقات الحب التي يمر بها أبناء الطبقة الوسطى المصرية، هم بذلك يحافظون على علاقتهم لمدة أطول قبل أن تصطدم بالنظرة الدينية والمجتمعية والسلطة الأبوية.

وبرغم كل ما سبق، يشغل الحب مساحة واسعة من تفكير الشباب في مصر. الجميع يتمنى أن يُحٍب ويُحَب، ولكن في سياق تغيير المكانة الاجتماعية للطبقة الوسطى وصعود طبقة جديدة تنتمي للقطاع الخاص لتشكل واجهة المجتمع، فقد أصبحت العلاقة مهددة بشكل أساسي بعدم رضا الأهل الذين لم يعد همهم الأساسي المستوى التعليمي للشاب أو مقدار ثقافته، بقدر اهتمامهم بإمكانياته المادية، ولذلك تتحطم معظم علاقات الحب في مصر عند هذه العتبة.

 

-5-

“م تقدم لخطبة م.س ولكن والدها رفضه لأنه يريد شخصًا أفضل ماليا واجتماعًا. م.س حاولت تغيير رأي أسرتها لبعض الوقت، ثم استلسمت في النهاية وتمت خطبتها لشخص آخر. م يظن أنه كان سيصبح أسعد رجال مجرة درب التبانة لو تزوجها.

هو حتى الآن يتردد على الأماكن التي زارها برفقتها. هو لم يعرفها إلا لعدة أشهر ولكنه يرى أن حياته كلها مرتبطة بها، وم.س ليست حزينة مع زوجها الجديد، ولكنها مازالت تحمل بداخلها حبها القديم”.

لدينا هنا في مصر ثلاثة أشياء تم صبهم في قالب شديد المثالية.

 

أولا: الحب المثالي

الذي يعني “الانجذاب والتعلق بشخص آخر، عدم القدرة عن التخلي عنه، الارتياح لوجوده والارتياح بوجوده، مصاحبته على أي حال وفي كل الأحوال”.

هذه النظرة المرتبطة بالثقافة العربية وحكايات مجنون ليلى ترتبط دائما بمفهوم أن الحب الأول لا يُنسى، هو أيضا مُرتبط بالتضحية والألم وحالة دائمة من الشجن.

هذا الحب يجب ألا يكتمل، يجب ألا يتحقق، لكي يصل لهذا السمو الميلودرامي.

هذا الحب حتى وإن تحقق سوف يصطدم بواقع الحياة في مصر. هذا الواقع سوف يحطم تلك الأحلام ويُبخر كل الآمال الوردية المثالية بكل قسوة.

 

ثانيا: النظرة الدينية المثالية

التي تعني “أن هذه العلاقة يجب أن تؤدي للزواج، لا يجب أن تكون عابرة، يجب أن تكون شديدة العمق والتأثير، فأنتم تكملون بها نصف دينكم، وتختارون آباء وأمهات أولادكم”.

وهذه النظرة تقوي مفهوم الحب المثالي والأسرة النووية التي تتكون مرة واحدة في العمر نتيجة علاقة حب أبدي بين رجل وامرأة، يدخل كل منهما الجنة برفقة الآخر.

 

ثالثا: النظرة المثالية للسيطرة الأبوبة

التي تعني “أن للأهل تجربة أكبر وحقًا أصيلًا في اختيار شريك الحياة، يكتمل هذا الحق بسيطرتهم الاقتصادية على تكاليف عملية الزواج، تلك التكاليف الباهظة التي لا يستطيع أي ثنائي منتمٍ للطبقة الوسطى التكفلَ بها في بداية حياتهم”.
هذه النظرة تفرغ الحب من مضمونه وتضفي عليه لمسة مصطنعة يجب أن تأتي بترتيب مُسبق من الأهل لكي يُكتب لها النجاح، تفرغه من المخاطرة والتجريب، من شق طرق جديدة وصنع لحظات خاصة للأزواج الجدد.

-6-

– she said yes

— تؤ.. قصدك they said yes

الحياة ليست بهذا التعقيد. ولا يجب أن تكون هذه الأشياء بهذا العمق منذ لحظة البداية. ولا يجب أن تحدث الأشياء لمرة واحدة في العمر أو لا تحدث أبدا.

 

في بعض الأحيان يُكتب للتجربة أن تكتمل، فتنجو من كل العقبات المحفورة على أرض مصر، ولا يتدخل الأهل بشكل سلبي من الطرفين، وأحيانًا يكافح الثنائي ليتحرر من كل هذا ويصلان لنضج يمكنهما من الحكم على الأمور بعقلانية تحميهم من افتتاح حياتهم بأحلام وردية هشة. في بعض الأحيان تسير الأمور بشكل جيد. أحيانا تكتمل الحكاية. وأحيانا تبدأ حكاية جديدة.
-7-

في 2011 أصدر باحثان غير مصريين دراسة نقدية حول الجدل الديني والثقافي حول عيد الحب، وقد أشارت الدراسة لمثالين لم أجد أفضل منهما للختام.

 

(1) قبل ثورة يناير وُجدت جثة شاب مصري انتحر بشنق نفسه أسفل كوبري قصر النيل بعد أن رفضت عائلة محبوبته تزويجه منها.

 

(2) في أثناء اعتصام ال18 يوما في ميدان التحرير وقبل تنحي مبارك، حمل شابٌ مصري لافتة مكتوب عليها “ارحل بقى.. عايز أتجوز”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد