(1)
في الممرات ومفترق الطرق كم كانت لنا أيام مع عيونهن، ضحكاتهن الرنانة وهمس السلام في القلوب دون سابق معرفة. كم التقت الوجوه وانتهينا في ثوانٍ قيل فيها كل الكلام، وضحكنا في السر وواعدنا غدًا علّه يأتي بلقاءٍ جديدٍ يجمعنا، فنشهر الضحكة ونفشي السلام وننتظر.

 

كم مرة التقينا صدفة مع الحبيب قبل أن نعرفه، وكم مشينا نفس الطريق ولم نلتفت قليلًا لنلمح بعضنا بعضًا، لكن قلوبًا أدركت. كم مرة رأينا ملامحنا في المنام وتعانقنا، واستيقظنا نخطط أيامنا ونتأمل المستقبل، وأدرنا الكاسيت على صوتها تردد “دي ليلة حب حلوة” بينما قلوبنا تنتفض شوقًا وأرواحنا يدغدغها الأمل بـ علّ الساعة قريبة.

 

رسمنا قلوبًا على أطراف أوراقنا وسهمًا لا ينقصه سوى الحرف الأول من اسمها، وانتظرنا خطابًا لن يأتي محملًا بعطرها، وسمعنا في القلوب صوت ضحكاتها، والتفتنا ولم نستدل، ففتحنا شبابيك الغُرف وتأملنا سماءً وتمنينا أن تُمطر عطفًا يسقي الأرض فنحصد حُبًا، أو تخلق بين ذراعينا حبيبًا فيصير الواقع حلوًا.

 

كم تبادلنا الحديث في السرِ والعلنِ كمجنونين يحاوران ظليهما، وضحكنا وتشاجرنا وانزوينا ولم نحتمل، فتبادلنا النظر من بعيد وابتسمنا وطبعنا قبلةً على الجبين، وختمناها بضمة، وكأنه ذنب وغُفر. خفيفة الروح أنتِ، وسأبقى مُنتظرًا.

(2)
ــ أنا كنت فاكر إن الحب مسألة نزاهة ومنظرة، وإن اللي تعبان في عيشته مابيجيلوش قلب يحب.
ــ صح.
ــ لأ مش صح، يعني من غير علام كده، اللي ظروفه صعبة يحس الحب أكتر من اللي ظروفه مستريحة، أنا بتهيألي إن اللي ظروفه متيسرة ومستريحة مايحبش، يحب ليه؟! وكمان مايحسش، بيتقتل عنده الشعور، يعني أنا مثلا مع كل الظروف اللي أنا فيها دي، حبيت.
ــ بعتلها جوابات؟
ــ أنا معرفش هي مين، معرفش اسمها، أنا حتى معرفش شكلها.
ــ طب مش معلمها بعلامة؟
ــ أيوه، منديل أخضر كان في إيديها، وكانت بتلاغيني بيه.
ــ خلاص، ابقى إكتب ع الظرف “إلى ذات المنديل الأخضر”.

(3)
لم يحلم “صلاح” إلا بحياةٍ كالحياة، بعض الدفء في الشتاء، وقليل من القوت لسد الجوع، ولأن السماء لا تمطر ذهبًا ولا حتى عدسًا في بلاد البؤس، ظلّ الحلم صعبا، لذلك اضطر أن يكون كبش فداء لإحدى البكتيريات المتطفلة على حقوق من لا حول لهم ولا قوة، راضيا بأن يتحول من طير يسبح في براح الخلا لحبيس قفصٍ لا يتخلله شعاع شمس ولا نسمة هواء إلا بأمر السيّد والمأمور.

 

أُجبر الرجل على التضحية حتى لو اختار السجن بإرادته، الفقرُ يدفع لأكثر من ذلك بسؤالٍ بسيطٍ يخطر على البال قبل الرضا بالذُّل: “ما فائدة براح الكون والذات محرومة من لذاته؟!” أو كما يقول نجيب محفوظ في رواية (السمان والخريف) على لسان بطلها عيسى: “أحيانًا أقول لنفسي لأن تبقي بلا دور خير من أن يكون لك دور في بلدٍ لا دور له”.

 

ظاهر الأمر أن “صلاح” سعى للزنزانة بإرادته، لكن الواقع أنه كان يسعى لحبٍ لا يعرفه، ربما راوده يومًا في المنام وفلما استيقظ كان نسيًا منسيّا، أو صادفه في خيالاته الليلية وحاول تشتيته خوفًا من الغرق في أملٍ صعبِ المنال وسط الجوع والفقر، إلا أنه وبكل تأكيد كان كامنًا في نفسه ينتظر الحافز والمحرض، حتى كانت فايزة، ذات المنديل الأخضر.

(4)
العزيزة ذات المنديل الأخضر.
أهديكِ أرق التحيات.
أحب أن أعرفك بنفسي، أنا صلاح الغرباوي، دبلوم صنايع، وشاطر جدًا في الخراطة، لكن مكسبي كان مكفيني بالعافية، خصوصًا وأنا عندي أحلام كبيرة، فدخلت السجن علشان أبني مستقبلي وأكوّن نفسي.

 

بصراحة أنا كنت مهموم وحزين، لكن راحت همومي لما شوفتك، وشوفت اللون الأخضر بين إيديكِ، ربنا يجعل سنينك كلها خضرة.

 

وختامًا، أتمنى لكِ السعادة وراحة البال.

 

المخلص لكِ: صلاح.

 

(5)
فايزة، تُشبه حبيبها في المعاناة والوجع، كل الفرق أنها كانت تؤمن بضرورة حضوره، سواء اليوم أو بعد عشرين عامًا، المهم أنه موجود وسيأتي لينتشلها من قهرِ العالم، حتى جاءت إشارته من بعيد، وكأنه غريق يستنجد بمركب وحيدة في بحرٍ عميق واسع، لذلك، وبمجرد أن فهمت الإشارة، بادلته نفسها، لتخبره أنها وبكل بساطة كانت تنتظر، “نعم أنا وأنت غريقين في الوحل، لكن بإمكان أجنحتنا مجتمعة أن تبلُغ البر، وتنتصر”.

 

كانا كما روحا وجدت ضالتها في جسدٍ يحقق رغبتها في الحياة والبقاء. كما نبته متعطشة لقطرة ماء فانهال السيل وارتوت، أو رسالة في زجاجة ضلت طريقها لسنوات في مياه المتوسط حتى عرفت يد المرسل إليه.

 

لأول مرة ستصل الخطابات لشخصٍ معلوم، ولأول مرة ستلمس الأصابع أطرافًا تحتضنها، ويعانق الجسد جسدًا يحتويه.

 

هكذا الحب في الغالب، لا يَعرف حسابات المنطق، ولا يُعرَّف بقواعد الفيزياء وحساب المثلثات، فقط قائم بذاته، لا يُفسره عالِم، ولا يكفيه الكلام، أو كما قال أفلاطون: “في الحب خطابات نبعث بها وأخرى نمزقها وأجمل الخطابات هي التي لا نكتبها”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد