هي رائعة ذلك العجوز الذي عاش حياة الجميع، الذي يعرف أدق التفاصيل التي تخص قراءه بدقة وذكاء ودهاء، ولا يضاهيه فيه أي شخص مهما كان مقربًا، هو الكولومبي جابرييل غارسيا ماركيز.

الحب والكوليرا!

أحب بطل ماركيز بطلته في ظل وباء الكوليرا الجامح، ولكنه دون رحمة أصيب بما هو أبشع من الم الكوليرا، أصيب بحب الصعب الذي كاد أن يُصبح مستحيلًا لولا حُسن قدر فلورينتينو إريثا. اختلطت الأعراض على الجميع، ولكن الأم فقط كانت تعرف جيدًاأإن كل هذا ليس سوی حُمی الحب ومرار انتظار رد الفاتنة على رسائل المتيم بها.

وكلما مرت ذكرى ذلك الوباء على فلورينتينو كان يتذكر ويحن لماضي بداية حُماه.

كل غاية قد تُبرر الوسيلة!

في الحقيقة إن انتظار أي شيء قد يعتمد على قيمته في الأساس، وإلا ستنعدم قيمة الفوز او قيمة الانتظار في حد ذاته! ولكن الغريب أن يظل المرء منا منتظرًا لـ53 عامًا، وأن يكون هذا الانتظار لحب كان بداية الحمى الأبدية في حياته، والتي عجز كل شيء عن شفائه منها، فلا النجاح ولا المال ولا الجنس والنزوات كانوا عزاء كافيًا او حتی مُغريًا في سبيل البطل إريثا للحصول على قلب حُبه فرمينا داثا التي كانت السبب بمجرد التفاتة بسيطة منها في ريعان وطيش الشباب لبذل إريثا – البأس – للحصول عليه، كان السبب في حُمی قلبه ولوعته حتی صار هرمًا عجوزًا لم يكف عن النبض بها ولها.

في طريق إريثا ليكون جديرًا بفرمينا طاف وعاث بقلوب الكثيرات المثيرات ممن كن عاجزات عن إيجاد أحبائهن أيضًا!

وفي ظل ممارساته الكثيرة للحب، وبين أرملة او عجوز تكبره بسنوات، أو بين زنجية وخلاسية، وبين الحسناوات والخادمات، أمضی إريثا حياته متنقلًا من قلب إلى آخر ومن منصب إلى آخر، وكل هذا لم يزعزع فيه يقين حبه الأول، لدرجة أنه حينما سنحت له الفرصة للحديث مع فرمينا بعد موت زوجها العجوز لم يتوان في ترك أمريكا فيكونيا حبيبته التي كانت حالية في ذلك الوقت.

وانفصل عنها، بالرغم من مرور أكثر من عامين على علاقتهما، ورغم أنها كانت تقبل به كعشيق سري، وهي دون السادسة عشر عامًا، وهو قد تجاوز الثمانين!

كل هذا لم يكن يهمه ما دام أمل حياته قد تجدد، وهناك فرصة ثانية ليفوز بقلب فرمينا داثا، وهي أرملة بعد أن عجز عن فعل هذا وهي عزباء.

ثأثر لانتحار أمريكا فيكونيا إثر تجرعها زجاجة من مادة مخدرة أفضت بحياتها معللة أن السبب كان رسوبها في الدراسة، ولكن الجميع يعرف – حتی ماركيز – أن السبب هو حُمی الحب الذي لم تستطع تحمله!

وبالرغم من تآثره وبكائه لليلة كاملة على موتها ولكن الأمر لم يأخذ حيزًا أكثر من هذا؛ لأنه بالفعل كان قد وصل لقلب فرمينا داثا وكان هذا هو مراده وعزاؤه الوحيد!

ما بين الرومانسية المفرطة والواقعية الكئيبة!

تقع أحداث الرواية بين القرن التاسع عشر والعشرين وتعد رومانسيتها مفرطة للغاية، وبينما نحن في القرن الحادي والعشرين يرى البعض أنه من غير المعقول أن تكون هناك رومانسية كهذه في الوقت الحالي، ولا حتی في طوال القرن العشرين متجاهلين صُنع ماركيز!

وقد يتفق البعض ويختلف الآخرون، ولكن الحقيقة تكمن في بعض الإسقاطات والتفاصيل.

ربما تكون الرغبة في الحصول على الهدف أهم من الهدف ذاته، وفي رواية ماركيز نجد أن فرمينا كانت عجوزًا على مشارف الثمانين، ولكن هذا لم يقلل من رغبة إريثا في الحصول عليها والظفر بقلبها المنهك وممارسة الحب معها رغم أن كليهما لم يعد فيهم أي شيء من مفاتن الزمن الغابر.

وهذا قد يعلل أن اي هدف في الدنيا حينما يؤثر علی الإنسان ويستحوذ عليه بهذا الشكل الفج يكون الحصول عليه واجبًا، لا مناص منه ولا أمل في تركه حتی لو أراد المرء، وبتطبيق تلك النظرة على حُب إريثا لفرمينا نجد أن الهدف الذي تريده يمكنك الحصول عليه غير مُبال بعوامل السن، ولا الشيخوخة، ولا لحظات اليأس، وضعف العزيمة.

وبالرغم من علاقات فلورينتينو إريثا الكثيرة في فراق وهجر فرمينا داثا له، فإنه لم يشعر بوهج الحب، ولا حُماه مع احداهن كما كان يشعر مع الربة المتوجة كما كان يُطلق على فرمينا تلك الفاتنة التي محته من حياتها بإشارة واحدة وهي في ريعان عمرها غير مهتمة بجمرة الفراق التي ظلت تُلهبه طوال 53 عامًا.

وفي الحقيقة فإن فرمينا لم تكن سوی فتاة واقعية لم تهتم بحُب فلورنتينو لأن مظهره لم يكن يوحي إلا بشبح أو طيف لا مناص سوی الهروب منه!

ربما تبادلها الرسائل القليلة معه كان شيئًا يشبه الحب، بل إنه يشبه فترة المراهقة التي يدّعي فيها الجميع الحب، وهي كانت من تلك الفئة قبل عزلتها عن فلورنتينو بواسطة والدها، ذلك العزل الذي لم يمنعها من تبادل الرسائل معه، والذي لم يكن كافيًا للانفصال عنه أكثر من رؤيته له في السوق بعد عودتها علی أنه ليس الرجل المناسب!.

وقد يصل بنا الواقع الكئيب عند تلك المرحلة في أن يتزوج فلورنتينو من أي فاتنة قد مارس معها الحب مثلما تزوجت داثا وأنجبت وعاشت حياتها بلحظاتها السعيدة والكئيبة سواء، ولكن الرومانسية رفضت هذا، وجعلت قلب فلورنتينو لا يتغير ولا يميل طوال عمره، وطوال مروره بكل عثرات الشيخوخة ومحاولاته الباسلة في الحفاظ على صحته، فقط لأنه يرغب في الموت جوار حبه الأبدي.

واقعية ماركيز

ماركيز عوالمه كلها مليئة بالحكايات والأسرار التي لا تنتهي ولا ينضب نبعها، ورغم التفاصيل المرهقة والحكايات المتشابكة تجد نفسك مُنهكًا ولكن مُجبر على سبر أغوار باقي القصص، الأبطال قد يموتون فجأة بسبب تعثر قدمهم في طرف سجادة مفروشة دون اهتمام علی الأرض، الأرض التي نظفتها الخادمة لتوها بسرعة لأنها نسيت الحليب على الموقد، وكانت تخشى على أن تنطفئ شعلته لأن أعواد الثقاب نفدت من البيت كلها والوقت متأخر للغاية!

وهكذا يمضي ماركيز في سرد الحكايات دون كلل أو ملل وبجدارة لا يضاهيه فيها أحد يجعلك تنسی ما حولك لتنظر لما حول أبطاله.

وفي الأخير

إن القراءة دومًا رحلة إلى عوالم عظيمة، لم ولن تخطوه إلا من خلال كتاب، فأكثروا من زيارات العوالم الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد