كثُر الحديث مؤخرًا عن فيروس «كورونا» الذي أخذ يزهق الأرواح ويروع الصغير والكبير حتى صار الناس يحيّون بعضهم البعض عن بعد، ولا يأتون التجمعات إلا وهم ملثمون، وبات يُنظر إلى الإنسان صاحب الملامح الآسيوية على أنه قنبلة جرثومية موقوتة، وتوقفت كرة القدم وألغيت المؤتمرات والقمم، واستخدم مطهر اليدين منتهي الصلاحية، ونفد مخزون الكمامات، فليس مع الموت مزاح.

المؤامرة الكونية

دائمًا هناك من يتبنى نظرية المؤامرة الكونية، وهذا المرض أخذ من التركة نصيب الذكر الذي ليس له أخوة، فأول ما ذاع الخبر، وُجهت أصابع الاتهام إلى أمريكا على أنها صنعت هذا الفيروس لتحارب به الصين بعد أن فشلت حربها الاقتصادية على كبح جماح التغول الصيني في الاقتصاد العالمي، فالصين مارد في طريقه ليزيح أمريكا عن الواجهة، وهذا التدافع من سنن الله في أرضه.

بلاء أم ابتلاء

هذا عذاب من الله وانتقام من الصين؛ لأنها عذبت ولا زالت تعذب المسلمين في إقليم الإيغور، وهو بلاء عظيم عسى أن يرجعوا عما هم فيه من الظلم والطغيان، ولا أعلم لماذا لم يضرب المرض بداية إسرائيل وأمريكا؟

ولم أتى المرض على وادي العرب والمسلمين، قال البعض إنه ابتلاء، وقال البعض إنه بلاء، وأنا وأنت نشاهد التلفاز ونقلب الأخبار ننتظر نهاية هذا المسلسل الشيق.

التاريخ

ليس «كورونا» هو الوباء الأول، فإخوته كثر، فكان قبله الطاعون، وكان كل وباء يفتك بالناس يسمى طاعونًا، و«كانت الكوليرا، وكانت الإنفلونزا الإسبانية، وكان الإيدز، وكان السارس»، وكان وكان، وكل واحد منهم قيل عنه مؤامرة، وكل واحد منهم قيل عنه بلاء وابتلاء.

ثم لما تبين للناس علموا أن القوارض المنسابة بين الجثث تنقل الطاعون، والماء المختلط بالمجاري ينقل الكوليرا، ورجل جامع غوريلا أورثته الإيدز، وحال الفيروس يقول «أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ؟».

لماذا؟

لن أطيل عليك، «قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ»؛ وهذا خطاب للبشرية جمعاء، ما دمنا نُطعم الأسماك الأكياس البلاستيكية فإننا حتمًا ولا بد أن نصاب بأمراض لا نعلمها، لكن الله يعلمها، وما دمنا نزاحم الغيوم بغبار المصانع وعوادمها فإننا حتمًا ولا بد أن نصاب بأمراض لا نعلمها، لكن الله يعلمها، وما دمنا نخالف الفطرة التي فطرنا الله عليها ونروج للشذوذ ونستبيح الخمور ونحقن طعامنا بالهرمون ولا نستنجي من البول ونأكل الخنزير وغيره من كل شيء ومن أي شيء لا يوافق الفطرة، ما دمنا على هذا النهج فإن هذا الإنسان يستحق قول الملائكة: «أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ»، وهو لا شك ذاهب في طريق سيحاسبه عليه الحجر والشجر، فهذا الإنسان لا تبكي عليه السماء ولا الأرض، وهو يستحق أكثر من هذا.

العلاج بالحب

هل إلى الخروج من سبيل؟ الإجابة: نعم، والإنسان سينجح لا محالة، وما يجعلنا نؤمن بهذا هوا تعقيب ربنا عز وجل على قول الملائكة بقوله تعالى: «إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ».

نحن مجبرون على تغيير ما بأنفسنا شئنا أم أبينا، وستدور العجلة بنا دون توقف حتى نرفع أيدينا ونسلم ونعلنها على الملأ، لقد ظلمنا أنفسنا واعترفنا بذنوبنا والتي هي في هذا الصدد: الإفساد في الأرض وسفك الدماء.

لكن ما هذا الذي يعلمه ربنا وخفي عن الملائكة؟ ما هذا الأمل الذي نحن لم نعرفه بد؟ ما هو السر الخفي الذي أهلنا لنكون أسياد الخلائق فتسجد لنا الملائكة؟

والإجابة سهلة، فقد أخبرنا بها ربنا: «وَعَلَّمَ آدَمَ»، وقال في موضع آخر «وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ».

أنا أرى الآن هذا الاستنكار في عينيك وما تعكسه من سخرية، فالإنسان الآن يعلم الكثير، لقد حططنا على المريخ، وركبنا طبقًا عن طبق، وجعلنا الماء الأجاج عذبًا فراتًا.

لكن يا صديقي، وبما أنك وصلت إلى هنا فأنت صديقي، صدقني نحن جهلة ولا نزال على جهالة حتى نعلم أن مخلفات التجارب النووية، والإبادات الجماعية، وعدم إماطة الأذى عن الطريق، وهذا الذي يتسول لأن التسول أسهل من العمل، وهذا الذي يغش في الامتحان لأن الغش أسهل من الدراسة، وهذا الذي يحرق الطحين حتى لا يبخس ثمن طحينه، وهذا الذي يحتكر الدواء حتى تنتفخ كرشه، نحن على جهالة حتى نعلم أن كل هذا سيعود إلى أحضاننا، وسنذوق سمه الذي طبخناه بأيدينا، وهنا أقف، ويجب أن أقف لأسأل كيف لا أكون جاهلًا؟

فتشت عن هذا الإنسان الذي يعلم، ويعلم أنه يعلم، ويعلم أنه قادر على أن يغير مجرى التاريخ، ويجلس على عرش الأرض، ويصدُق ثناء ربنا عليه، فلم أجده إلا هذا المؤمن الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا».

ذلك لأن هذا الإنسان المؤمن أخذ باعتباره كل شيء، فأحسن الصنع، وأحسن الدواء، وأحسن الكلام، وأحسن الملبس والمأكل والمشرب، وأحسن التعليم والتعلم، وأحسن البحث والتأمل، أحسن كل شيء يصل أثره إلى نفسه وإلى الناس، فأصبح كل شيء حسنًا، وأصبح هو ممن يحبهم الله «وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».

الخاتمة

اليأس نقيض الإيمان، والإنسان الذي هو على الطريق المستقيم حتمًا سيرث الأرض ويعمرها، وسيأخذ بأحسنها، ولكنني أعيدها ألف مرة وسأظل أعيدها، «بالأمس كنت ذكيًا فأردت أن أغير العالم، اليوم أنا حكيم ولذلك سأغير نفسي»، كما قال مولانا جلال الدين الرومي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد