الحرب نقمتنا الأخيرة، وثورة العشق فينا، اجتماع الأضداد والتناقض البائس الجميل، الحب والحرب وربما يطلِق عليه البعض الحب في زمن الحرب، في البداية نسطر الخطوط العريضة تحت جملة عميقة «لا حب مع الحرب والخراب ولا حرب إلا وتنجب من الحب سرابًا».

في الآونة الأخيرة انتشرت بعض الأعمال الفنية المختلفة، والتي تجسد دمج المظاهر ما بين الحرب والحب، مثل المسرحيات الكلاسيكية الصامتة، وأنماط الموسيقى الوطنية الحرة والثائرة والفلوكلوريات الشعبية، والروايات والكتب والقصص والترجمات والمدونات وغيرها من المستحدثات العصرية. ولا شك في أن أغلب تلك الصور تنبع من قلب إنسان عربي تحديدًا، قد همّش وأصبح مجتمعه والغ في الحرب، وعصفت به رياح الغربة وربما الحنين إلى الوطن وإلى التربة الأولى بعد الهجرة القصرية الجبرية من الحاضر المحال إلى الغرب. ليولد الحنين بأنماط مختلفة وتشعبات وتشبثات متعددة، على هيئة تصدعات في الذاكرة يقتفى أثرها لتشير إلى وطن تعّرِفه بكل تفاصيله، ولا يعرفك بعد أن شوّهت ذراع الحرب الأسرجة الزيتية في قناديله.

أتكلم عن أشخاص باتوا ضحايا مشاعر ممزقة، ضحايا الوقت والنسيان والحرمان، ما بين جدران وطن في المنفى وجنود على ورقة النثر والشعر ترثى، هم أصبحوا ضحايا الحرب «المفتعلين للفن» الذي يملأ فجوة وفراغ معتم يسمى «اللجوء»، نعم بنظرهم لا بديل عن الوطن في تلك الحالات إلا المشاعر المدّكنة مثل: الرسم، والكتابة التي تعيدك إلى الوطن للاقتباس من زواياه وأركانه.

تعددت أشكال الفن والهدف واحد، اأا وهو تلوين الهالة السوداء الملتفة والمغتصِبّة للحرية والمبتلِعة للقضية بألوان الطبيعة الحرة اللامحدودة والطيفية، هكذا يكون إمضاء الفن والتراث الفطري في دم هؤلاء الأشخاص المصقولين بحرفية من قِبّل عنجهية الحرب بأشكالها الدموية، ليتم ولادتهم في صفوف الفنانين الأولى بطريقتهم الخاصة بفنهم، والمندرجة تحت عنوان «دكّ جسد الحرب بجرعة حب زائدة» فالحب هو الفن، وربما فن أزرق ومختلف كحنين محمود درويش إلى عكا حين مات الأخير ولم يعترف إلا برمز الشعر نحو الوطن والهوية والقضية، وربما على طريقة فيروز الأنثوية وجسر اللوزية، المهم أن يتشكل التمثال الحي في الجزء الداخلي الوطني لهؤلاء الناس النرجسيين ذوات الشخصيات النيستولوجية.

لا شك أيضًا أنهم أشخاص مولعون جدًا بالعمق وبالتفاصيل والأفكار الروحية، دائمًا ما يبحرون بعمق مخيلاتهم لتناول صورة قديمة من الوطن المدفون بسراديب داخلية، كاسم شارع معين يؤدي إلى مفترق معين، إلى مقهى معين، إلى دورة صوفي هناك بثيابه الشامية، أو بقايا مشاهد عالقة من اختلاف الأديان وقبول الآخر ضمن بقعة جغرافية واحدة تابعة لنفس التقسيم الإداري ونفس البلدية، ها أنا أكتب عنهم وعن مظاهر الحب الممزوجة بجروحهم وبملح الدمع على الوطن، يستنشقون شهيق الحرب ويصادقون على حكم إعدام الهالة السوداء السابقة الذِكر لعودة الحياة للقلب.

هؤلاء نزعة مختلفة من الفئات الإنسانية، هم الفئة التي لا ترى في الظلام وتنبت من الانعدام، هم الروائيون الذين نهشوا وفتكوا حرف الراء من كلمة حرب، ليسوا بحاجة إلى التعريف، هم أدوات اللغة ورمز الأدب والفن الخالي من التكلف والمناضلين بفنهم المختلف ضد الحرب للحرية والقومية والوطن، كغسان كنفاني، وناجي العلي، وغيرهما الكثير من السائرين على خطى نزار قباني شاعر الحب والرصاصة الدمشقية والشجن.

ما أود ترسيخه في هذه المقالة أن الفن لا حدود له لو مزقت الحرب الأوطان، فمن قلب الأنقاض والقصف والرماد تولد زهرة النرجس، وربما على القبور توضع زهرة الأقحوان، تأتي الحرب بكامل شراستها لتسطو على الإنسان، يموت الملايين في الثورات والنزاعات، ويولد من الموت لاجئون وفنانون وطنين وحياة، تسير الرياح حينها بما يشتهي المهاجرون المصقولون للفن، وطن بعيد وخراب ودمار وصداع وحنين، وعلى لوحاتهم رصد المعالم الأثرية والتفاصيل الحياتية والكتابة والتدوين، منهم من تصل به مرآة الفن تلك إلى فن الغربة الجديد، هاشتاج مثلًا من قطب الأرض القريب أو البعيد مع اقتباس صورة للمكان، هذا ما تنتجه الحرب، من جهة قتل وموت وتشويه وتشريد، ومن جهة أخرى تشعل فتيل الفن في القلب، نعم قتل يعيد النبض إلى الجزء الميت، صقل الذات الفنية بالنار، سفر إلى ببلمونيا الكتب والعيش على الفن المتفجر والحر الممزوج ما بين الحب في زمن الحرب، والحنين إلى الوطن الأم الذي يحتل القلب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد