«اختاري الرجل الذي وقتما تفكرين في تركه؛ يضع لكِ ألف سبب لكي لا تتركيه، ويُؤكد لكِ أن حياته ستنهار من بعدك». تلك هي النصائح التي تنتشر على صفحات الاتصال الاجتماعي، وهي نفسها التي تتناقلها الفتيات في حواراتهم الخاصة، وبالطبع فإنها في كثير من كتب العلاقات، والتنمية الذاتية، وما أكثرها!

ولا شك أنها نصائح مخلصة بالفعل، ولكن هل هي نصائح ذات فاعلية حقًا أم أنها نصائح الدبة التي قتلت صاحبتها؟!

دعنا بداية نفهم ظاهرة الحب، وكيف يمكن، بل كثيرًا ما نسقط في علاقات حب، وهي ليست كذلك.

إن الحب الحقيقي لا يمكن أن يخصم من حرية الإنسان، حريته أن يحب، أو يرحل، حريته أن يتوقف عن الحب حتى، فالحب الحقيقي لا يرتبط بأسباب، ولا عراقيل، توضع من أجل ألا يبتعد المحب عن حبيبه، ولا يرتبط بحجج ومبررات، وألاعيب منطقية؛ من أجل إقناع الشخص ألا يرحل، إن ذلك ليس حبًا على الإطلاق، إننا كثيرًا ما نسقط في الحب المرضي، معتبرين أنه هو الحب الحقيقي.

ولكن ما هو الحب المرضي؟ يمكننا بإيجاز أن نقول إنه ببساطة علاقة «سادو-مازوخية». «لتفصيل أكثر انظر كتابنا: إلى منتصف الطريق- طبعة 2018».

وهي عبارة مكونة من شقين؛ سادية، ومازوخية، وتعرف السادية على أنها اضطراب نفسي يتجسّد في التلذّذ بِإيقاع الألم على الطرف الآخر، أو الشخص نفسه؛ أيّ التلذّذ بالتعذيب عامةً، بينما المازوخية؛ فهي اضطراب نفسي، يتجسّد في التلذّذ بِالألم الواقع على الشخص نفسه؛ أيّ التلذذ بالاضطهاد عامةً. وعمومًا فإن السادية والمازوخية، يعتبران من الاضطرابات النفسية، التي تستوجب العلاج.

وقد يصيب ذلك الحب والعلاقات؛ لذلك نرى أننا غير أحرار، وعبيد في ذلك الحب، نطارد من لا يحبنا، ونفعل المستحيل من أجل شخص لن يفعل لنا الممكن، قد نسافر أميالًا من أجل شخص، لن يتحرك نحونا خطوة واحدة، وعلى العكس نهمل شخصًا يحبنا، ويفعل لنا المستحيل، ولا نفعل نحن له الممكن، يسافر أميالًا من أجلنا، ولا نتحرك نحن نحوه خطوة واحدة.

فنحب من لا يحبنا، ويحبنا من لا نحبه، وتلك المعضلة سببها عدم فهمنا لطبيعة الحب، وسقوطنا في الحب المرضي، بشقيه السادي والمازوخي؛ لأننا لا نحب حقًا، فعندما ننظر للحب، فإننا نبحث عن شيء، لا عن شخص؛ شيء ما يُرضي غرورنا، أو زهونا بأنفسنا.

إننا في واقع الأمر نحب أنفسنا؛ لذلك يصبح كل تركيزنا هو البحث عن الأنسب لنا، بدلًا من أن نجتهد في أن نكون نحن الأنسب، نبحث عن ذلك الشخص الذي يكون إمعة تحت طوعنا، عبدًا ذليلًا لنا، يتعلق بنا لدرجة الجنون، ونمعن نحن في تعذيبه نفسيًا؛ حتى نتأكد من صدق مشاعره.

تلك النزعة النرجسية أصبحت سمة العصر الحديث؛ فكل منا يظن نفسه متفردًا، عن باقي الخلائق، وأنه مختلف عن جميع البشر؛ وبالتالي فهو يستحق الأفضل، والأجمل، والأذكى، والأقوى؛ فأصبح الحب مجرد سلعة، في سوق العاطفة، تدخل وتأخذ فكرة، وتفرز البضاعة، وتنتقي، وتختار، وتدفع، وتحمل.

وإذا ما كان المنتج معيبًا، فلا تحاول إصلاحه، بل ألقهِ في سلة المهملات، واشترِ غيره فورًا، طالما تخطيت فترة الضمان، وحتى إذا لم يكن المنتج معيبًا، فإذا ما وجدت منتجًا أفضل منه فلتشتريه.

مما لا شك فيه أن هناك اختلافًا بين الرجل والمرأة، فيما يتعلق بالحب؛ وذلك ما يؤدي لكثير من المشكلات، وعادة فإن النساء يرغبن في التأكد من مشاعر الرجل، ولكن كيف يمكن أن تُختَبر المشاعر؟ كيف يمكن قياس ما لا يمكن قياسه؟!

لأسباب كثيرة ومتعددة؛ ظهر مفهوم، وأصبح منتشرًا يحاول الإجابة عن ذلك السؤال، فكانت الإجابة ببساطة أن تضعي الرجل في اختبارات، أو أن تطلبي منه الرحيل، وأن تنكري مشاعرك تجاهه، فإذا تمسك بكِ، فهو يحبك بالفعل.

فالمرأة لا تحب ذلك الرجل المتردد، الذي يحسبها بالورقة والقلم، إنما تحب ذلك الرجل القوي المغامر، الذي يحطم كل الأسوار؛ ليظفر بها، ذلك الرجل الذي يقتحم مشاعرها اقتحامًا، فيرغمها على أن تحبه، وألا يترك لها أي خيار آخر، والذي إن طردته من الباب، قفز لها من النافذة، الذي يطاردها، ولا يمل، ولا يكل من المحاولة، ويتمسك بها… إلخ. وقد نستمر بسرد تلك التصورات، المغرقة في المثالية، إلى ما لا نهاية، لكننا اكتفينا بالإشارة العابرة.

إن المرأة في تلك الحالة تجعل من نفسها، وبعبارة واحدة مثل «الغزالة الشاردة»؛ فهي تهرب من الرجل، الذي يطاردها، من أجل أن يظفر بها في النهاية، والمرأة لا تعلم أن الرجل يمتلك بشكل فطري، عقلية صياد، وعندما تحول المرأة نفسها إلى غزالة شاردة؛ فإنها دخلت ملعب الرجل، ومن ثم بالفعل، الرجل القوي سيطاردها حتى يظفر بفريسته، ولكن ماذا بعد أن تمكن منها؟

تُرى ماذا يفعل أي صياد بعد الظفر بفريسته؟ إنه يشويها، ويأكلها، ويفترسها، ثم ماذا بعد؟ لا يبقى منها إلا الفضلات، التي يتركها خلفه، أو يتخلص منها.

من هنا فإننا كثيرًا ما نسمع عبارات «لقد تغير بعد الزواج»، هو لم يتغير يا عزيزتي، لقد جعلتِ نفسك مجرد غزالة شاردة، مجرد فريسة، يبذل الرجل مجهوداته كلها؛ كي يفترسها، ومن ثَمّ فقد حقق الرجل إنجازًا، والرجل بطبيعته إذا ما نال من فريسته، التفت إلى فريسة أخرى؛ لأن عقليته تختلف عن عقلية المرأة.

إن في المرأة حياء فطري، مصدره قلبها، ولأنها أنثى سوية؛ فيدفعها ذلك الحياء للابتعاد اللطيف، أما الحياء المصطنع الزائف، فينشأ في عقلها، إن كانت غير سوية؛ وذلك يدفعها للابتعاد العنيف.

فقسوة العبارات، والتصريحات، والتصرفات؛ ليست إلا تصرفات مرضية، «سادو-مازوخية»، تعكس عدم ثقتها في نفسها، برغم ما تبديه من ثقة في الظاهر، وذلك ليس إلا حبًا مرضيًا، وليس حبًا حقيقيًا أبدًا.

إن المشكلة الحقيقية هي في تصور كثير من النساء عن القوة، ولننظر لقصة موسى – عليه السلام -؛ فالمرأة جاءته تمشي على استحياء، ولكنها رغم حيائها لم تنكر، ولم تكذب، ولم تخالف مشاعرها، إنما قالت بوضوح لا يقطعه شك استأجره، فإن خير من استأجرت القوي الأمين.

فلقد سقى للفتاتين «لأنه قوي»، ولكنه ماذا فعل بعد ذلك؟ لقد توارى إلى الظل «لأنه أمين»؛ ولأنه قوي، وأمين، وليس قويًا فحسب؛ ولأن المرأة كانت سوية، وكان حياؤها حقيقيًا، وليس زائفًا، فقد قالت لأبيها، استأجره فإن خير من استأجرت القوي الأمين.

ذلك أنها فهمت أن القوة وحدها، لا تميز الرجال عن الحيوانات، إنما الأمانة هي التي تميزهم.

والرجل الأمين لا يطارد النساء، ولا يفرض نفسه على أحد؛ لأنه يحترم نفسه، كما يحترم المرأة، إنه رجل نزيه، ويتمتع بحياء، وليس عيبًا أن يكون الرجل ذا حياء؛ فالحياء شعبة من شعب الإيمان، وقد كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – أشد حياءً من العذراء في خِدْرِها، والرجل الأمين يتحمل في إطار علاقته بمن تزوجها كل شيء، مثلما تحمّل سيدنا موسى، العمل لمدة عشر سنوات عند أبيها، ولكنه لا يتحمل أن يكون شخصًا، كل مسعاه في الحياة، أن يطارد فتاة، لا ترغب فيه.

لأنه من السقوط؛ أن يرسخ الرجل مواهبه العظيمة، من أجل غاية تافهة، ولا يوجد أتفه من رجل غايته الحصول على امرأة فحسب.

وحده الرجل الذكي، يدرك أن النحلة التي تطير لأعلى ما يمكن أن تصل إليه، وتطاردها جميع الدبابير، ويتساقطون واحدًا تلو الآخر؛ حتى يصل إليها أشدهم قوة، فإنه ما أن يُلقحها، سرعان ما تلدغه، وتقتله لتظل هي الملكة المتوجة على العرش، دون أن ينازعها أحد الملك.

إن الحياء الفطري يدفع المرأة؛ لأن تبتعد عن الرجل، وذلك يدفع الرجل إن كان أمينًا، أن يتخذ خطوات رسمية، ولكن من دون ادعاء وتصنُّع، إن الحياء هنا مرتبط تمامًا بالحدود، فلا يخضعن بالقول، فيطمع الذي في قلبه مرض، ولن ننكر أن كثيرًا من الرجال قلوبهم مريضة.

لكن أن يتحول الأمر إلى نهج متعمد، واختبارات تجعل المرأة، برغم من أنها راغبة في الرجل، وأنه رجل على خُلق، لكنها ترتكب تلك الحماقة، بإبعاده عنها، متوهمة أن الرجل الذي يحبها، هو ذلك القوي الذي سيطاردها، ثم إن لم يفعل، فإنها ببساطة تقول: «لو كان خيرًا لبقي»، فتلك المرأة أعتقد أنها تحب نفسها، بشكل نرجسي، أكثر من حبها لذلك الرجل، وأي رجل.

إن الرجل لا يستوعب إلا اللغة المباشرة، والمرأة بطبعها لا تَقدر على تلك اللغة؛ لأنها تتمتع بالحياء – أو هكذا يُفترض -؛ وبالتالي فإنها تستخدم لغة غير مباشرة، ولكن هناك فارقًا بين لغة غير مباشرة، وبين لغة مضللة، فعندما يكون السؤال على سبيل المثال، هل تتزوجيني؟ فإن التعبير غير المباشر هو «الصمت خجلًا»، أو «ربما»، أو «دعني أفكر في الأمر»… إلخ.

فهي إجابات تعطي الرجل أملًا، أما أن تكون الإجابة «لا»، وهي تقصد «نعم»، ولكن ذلك هو أسلوبها في التعبير غير المباشر، فذلك عبث؛ نتيجته أن تظلي وحيدة، أو أن يحصل عليها الرجل القوي فقط، الذي لن يعبأ بكلمة لا، ويطاردها حتى تقبله، ولكن سرعان ما ستكتشف بعد ذلك أنه ليس أمينًا، وأن القوة وحدها لا تصنع الرجال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد