يقول محمود درويش: الحب كذبتنا الصادقة، قد تبدو العبارة للوهلة الأولى غير منطقية، فقط عبارة استخدمها الشاعر في خضم حمّاه الأدبية، لكن قلب الشاعر لا يخطئ، وكيف وهو المتأمل الثاقب لعمقه الإنساني، وتذبذب منحنيات عالمه الداخلي المليء بالتناقضات.

يطرح كتاب «الحب والحرية والفردانية» للمعلم الروحاني «أوشو» جدلًا قويًّا عن غموض الحب والفوضى الناجمة عن سوء الفهم وقصور الوعي، الذي يعاني منه غالبية الناس، يتجه أوشو إلى أن القلة القليلة من الأفراد يفهمون جوهر الحب، فقسم الحب كشعور عام إلى قسمين «الحب الاعتيادي» و«الحب الحقيقي»، ساعيًا بذلك إلى تبديد اللبس بين الوهم والحقيقة.

الحب الاعتيادي في نظر أوشو هو نقص وحاجة نفسية تعبر عنها الذات التي لا تحب نفسها، فالحب الحقيقي ينبع من محبة الإنسان لذاته، وانفتاحه عليها، ومحاولته سبر أغوارها ودفعها إلى طبيعة أسمى مما تلقته من الآخرين؛ فالحب شأن فردي لا يعني الآخر، وحيثما تعلم الإنسان محبة ذاته بالتأمل والتجرد من الأحكام المسبقة التي يرميه بها المجتمع، فلن يتحرر ليحب، «يخطو الإنسان الذي يحب ذاته الخطوة الأولى باتجاه الحب الحقيقي، الأمر مشابه لإلقاء حصاة صغيرة في بحيرة ماء، حيث تتشكل دوائر صغيرة حول مركز سقوط الحصاة، إنه أمر طبيعي، من أين ستبدأ إلا من غير ذلك المكان»، ويتصف الحب الاعتيادي بحالة لاتوازن في المشاعر، وغربة عن الذات، يشعر الإنسان الذي لم يحب ذاته أنه يحتاج لأن يكون محبوبًا، لذا يلوم العشاق بعضهم بعضًا إذا ما قصر أحدهم في الاهتمام بالآخر، ويتقابلون أمام الشعور بالنبذ والحرمان ليأتي الألم، أو ما يسمى بلوعة الحب.

«عندما تصل إلى المرحلة التي تتصل فيها بروحك، سيصبح حبك ليس مجرد علاقة، بل سيصبح الحب ببساطة مثل ظلك؛ فأينما تحركت ومع أي إنسان تكون، تعيش حالة حب، «الحب في اعتقاد الكاتب ليس علاقة تقيد من حرية الآخر وتفقده نفسه وفردانية وجوده، بل هي حالة صفاء لا تتحقق إلا برحلة طويلة من التأمل والتجرد من «الأنا الدنيا» التي تفرض على الحب طابعًا صبيانيًّا يستدعي علاقة الرضيع بأمه والطفلة بوالدها، تلك العلاقة التي تعتمد على الآخر وتطلب الرعاية والاهتمام الدائمين».

تأخذ أشكال الحب في فلسفة أوشو قوالب متعددة، فالمحب الحقيقي لا يتوقف عن العطاء والبذل دون انتظار المقابل، «كن خادمّا للحب الحقيقي، خادمًا للحب بشكل خالص النقاوة، أعط، شارك بكل ما لديك، واستمتع بالمشاركة، لا تفعل ذلك كنوع من الواجب، عندها ستنتهي كل الفرحة»؛ فالعطاء يعد مشاركة للسعادة التي تغمر القلب بعد معرفة الذات بالمحبة والاطمئنان للوجود، وتتشابه هذه الصفات مع المذهب الصوفي الذي يدعو إلى محبة الوجود والذوبان في عشقه ووحدانتيه، ويؤكد أوشو إن المتصوفين وحدهم من عرفوا الحب وغرقوا في حلاوته، ولا يمكن تصور الحب بعيدًا عن الحرية، إن الحب ليس علاقة بين الجلاد والضحية، بل هو حالة قبول وتسامح مع الآخر اعترافًا بفردانتيه، حالما يتحقق هذا الانفتاح يصبح الآخر هو المرآة، وتتلاشى الحواجز الفردية بين الناس لفهمهم أنهم جزء من أصل واحد، عندها فقط يكون الحب حقيقيًّا، ولكن يجب حب الذات أولًا.

يتبلور معنى الحياة بالحب، ووحده لديه القدرة على التأثير وبلوغ أرفع الرتب الروحية، وقد سعى العديد من المعلمين الروحيين مثل بوذا إلى الوصول إلى أسرار الوجود عبر فلسفة الحب، ويعرّف أوشو الحب معلمًا وقائدًا للإنسانية، وقد آمن بذلك أشد الإيمان، وحاول تأسيس «الكميون» مثالًا للمجتمع الإيجابي المتحاب والمتحرر، ورغم فشل مشروعه ونبذه في العديد من البلدان، فإن فكر أوشو حول الحب يتخذ طابعًا فنيًّا فلسفيًّا أكثر مما هو روحي، «ابحث في الحب، تأمل في الحب واختره، الحب هو أعظم تجربة في الحياة، وأولئك الذين يعيشون بدون أن يختبروا طاقة الحب لن يعرفوا معنى الحياة، إنهم سيبقون على سطحها ولن يغوصوا في عمقها».

يأخذ الحب أجمل صوره في كتابات أوشو، كواحد من أهم المثل العليا في هذه الحياة، ورغم كل ما كتب عن الحب وتجلياته، فإنه يظل لغزًا من ألغاز الحياة، يستحق الغوص في أعماقه واستنباط معانيه في كل هفوة وومضة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد