قال قوم إن المحبة إثم! فيا ** ويح بعض النفوس ما أغباها

إن نفسًا لم يشرق الحب فيها ** هي نفسٌ لم تدر ما معناها

أنــا بالحب قد وصلت إلى ** نفسي وبالحب قد عرفت الله

كثيرًا ما فُهِمَ «الحب» خطئًا بين شبابنا وفتياتنا، والحق أن هذا الفهم الخاطئ لا يمثل حجة على دين الله القويم ولا على سنة رسول الله العظيم!

إن الأخبار قد تواترت بالحب والمحبة؛ فما قام الدين إلا به، وما سارت البشرية إلا والحب هاديهم ومرشدهم.

ولكن هل يُفهم من هذا الحب ما ذهب إليه عامة الناس في حاضرنا المتسمِ بالحداثة والرفاهية والتقدم؟!

إن عظيم جمال الحب وكمال روحه التواقة إلى الخيرات والسعادة والأُلفة بين المُحبين لا تُنال إلا بمقاييس مختلفة عن مقاييس الشهوة والغريزة، وليس حبًا بالمنظور الذي عبّر عنه الدكتور على الوردي حين قال: «ما الحُب إلا شبكة يتصيد بها صاحبها ما يشتهي كشبكة العنكبوت»!

وقد لام الشيخ سيد قطب رحمه الله على هذا الصنف السيئ من الناس؛ الذين يجعلون من صفاء الحب الطاهر سبيلًا إلى نزوات الطفولة والمراهقة؛ حتى وجدناه ينشد قائلًا:

إن ذكرتُ الحب قدسيًا نقيًا ** حسبوه من خيال الشعراء!

إنني أُدركه روحًا خفيًا ** يهبط الأرض ومأواه السماء

وهم يبغونه إثمًا فريًا ** يُرتدى في أثواب البغاء!

فها هو الحب النقي، هذا الحب الذي يأخذ بأيدي صاحبه إلى كمال وجوده الإنساني بامتزاج الروح مع محبوبها في عالم المثل العليا، ثم يهبط في عالم الواقع الأرضي متجسدًا بكل مُرادته من غاية الإنسان في هذا الكيان الوجودي الكبير!

ولهذا كان ابن حزم الظاهري -رحمه الله- ممن كتبوا في الحب وفضله، ورسالته في طوق الحمامة لتجلي معاني اهتمامه ويقظة فكرته وأبعاد عمقه في نظرته لهذا الأمر الجلل؛ انظر ماذا يقول:

«الحب -أعزك الله- أوله هزل وآخره جد. دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة؛ إذ القلوب بيد الله عز وجل. وقد أحب من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين كثير».

فما لهذا الإنسان الضعيف ينحرف عن سمو المعنى وعلو المقام لهبط إلى دركات الانحطاط والنذالة!

إن طريق الحب البريء واضح السمات والمعالم؛ تستحسنه العقول النقيّة، ولا تستقبحه القلوب التقيّة، وتهفو إلى وصاله كل روح زكية.

هذا الحب السامي هو طريق المعرفة الإلهية اليقينية، ألم تسمع قول الله عز وجل: «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ»؟!

فإذا كان الواهب للوجود مُحبًا؛ فكيف بالموهوب النسبي في هذا الوجود لا يسمو إلى حب الله وحب عباد الله!

أولم نُدرك هذه الحقيقة التي جاءت في قواعد العشق الأربعين:

«إن الطريقة التي نرى بها الله ما هي إلا انعكاس للطريقة التي نرى بها أنفسنا فإذا لم يكن الله يجلب إلى عقولنا إلا الخوف والملامة، فهذا يعني أن قدرًا كبيرًا من الخوف والملامة قد تدفق في نفوسنا، أما إذا رأينا الله مفعمًا بالمحبة والرحمة، فإننا نكون كذلك».

ألم نفكر يومًا: لماذا أرسل الله إلينا الرسل وأنزل الكتب وجعل لنا العقل المميز لنا عن باقي الأجناس؟

ألم نتساءل: لماذا خلقنا وجئنا إلى هذه الحياة؟

إنه الحُب يا سادة!

الحُبُ الذي أخرجنا من العدم المظلم إلى النور الساطع، وأعد لنا في الباقيات دار الخلود والمفاخر.

هذا في جانب الحب الإلهي المُعظَّم. وعلى درب الطهارة والنقاء يسير الإنسان في هذه الحياة حتى يقع في الحب الدُنيوي الذي إن حسنت بدايته عظمت نهايته، و«كثيرًا ما يكون لصوق الحب بالقلب من نظرة واحدة. وهو ينقسم قسمين، فالقسم الواحد مخالف للذي قبل هذا، وهو أن يعشق المرء صورة لا يعلم من هي ولا يدري لها اسما ولا مستقرًا، وقد عرض هذا لغير واحد» كما فهم ابن حزم، وهذا الدرب ليس بمعيب إن شملته المحاسن العاطفيّة السليمة، وبعدت عنه مآثم النفس الدفينة!

وخطأ على من يُعبَّر له بجميل الحب الخالص أن يرصد محبوبه بالفهم السقيم الذي ما كان من أفهام العقلاء أو شهداء الوجد الصافي، وفي هذا يلوم الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- هذا النوع قائلًا:

أرخصتَ حبّي إذ بثثتك بعضَهُ ** فليبق مكبوحًا إذَنْ فتَكَتَّما

إن كان بثُّ الحبِّ عندكَ مأثمًا ** فكذاك عندي سوف يغدو مأثما!

ختامًا، ينبغي عليك أيها العابر في هذه الحياة أن تسعى لهذا الحبِ المُعين لك في طريق حياتك، فهو زادك وزوادك، ونق الفؤاد من الأدران واشغله بجميل الأفكار، فكما أنت من عظيم آلاء الله المُحببة عند العباد؛ كذا لا يليق بك أن تدنس روحك التي هي قبس من جميل روح الله

فـ صُن النفس عما عابها وارفض الهوى ** فإن الهوى مفتاح باب المهالك

رأيت الهوى سهل المبادي لذيذها ** وعقباه مُر الطعم ضنك المسالك

فما لذة الإنسان والموت بعدها ** ولو عاش ضعفي عمر نوح بن لامك

فلا تتبع دارًا قليلًا لباثُها ** فقد أنذرتنا بالفناء المواشك

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد