قد قرأتُ في الحب العفيف قدرًا لا بأس به شعرًا ونثرًا وقصصًا شتى، وسمعت تجارب وخبرات وحكايات جمّةً، ولكن ذلك كله لم يغنِ عني شيئًا.. إلا التجربة! فليس من سمع كمن رأى، أو كما قيل: ليس الخبرُ كالعيان! ومن هنا أحببتُ أن أُشارككم فكرتي وتجربتي وخطراتي، وهنا كلامٌ كالطفرة الجينية، سأكسر به قاعدة متوارثة طويلة ظن الخلقُ أنها لا تُكسر أبدًا! وأسألُ الله أن يجعل عملي هذا جابرًا لكسر بعضكم، مُضِيفًا لأكثركم، ونافعًا لجميعكم، وأن يكون شفيعًا لي عنده، يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنون، إلا مَن أتاه بقلبٍ سليم.

أزمة «الحُبِّ» وجماليتُه في آن: هي أن الأصل واحد، تتشابه أعراضُه، وتختلف سبلُ الناس في التعامل معه وكذلك في التعبير عنه، فالحب رغم منبعه الواحد، ما زال الناس فيه طرائق قددًا: فمن الحب ما قتل، ومن الحب ما أفنى عمره شوقًا ولم يصل، ومِن الحب ما ضحّى بروحه يفدي الوصال سواءً بأيِّ السُبُل، ومِن الحب ما فقَدَ كرامته وكبرياءَه فنال أو لم ينَل، ومِن الحب ما دبّر، وكاد، ونفث الحقد، ودسّ السم في العسل! ومِن الحب مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء!

الحبُّ منزلُ النبلاءِ ومرتعُ السفهاءِ ولك وحدك الخيار! إما أن ترقى به إلى أعلى علّيين، أو يهبط بك إلى أسفل سافلين! فمن أبصر فلنفسه ومن عَمِيَ فعليها.

فأما مَزيّته التي يجتمع المحبون عليها، وجماليته التي سأتكلم عنها ففي أنه قد جمع فتن الدنيا وحلاوتها وغرورها واخضرارها في شيء واحد، ركّزها، جعلها كيانًا مفردًا.

فالحبُّ يُلَخّصُ توقَكَ وشغفَكَ وألَمَك وأمَلَك في وصال محبوبك! ولكنك إن صَرّفتَ كل هذا ووظّفتَهُ بذكاء المؤمن الموقن، نظرتَ فيه فوجدتَ مَن هُم أحقَّ بالوصال والسؤال وأحقَّ به! فأصبحتَ تُكلّمُ صديق طفولتك الذي حالت بينكما الأقدار، وغدوت تَصِلُ إخوةَ الرحم وإخوةَ التراحم، وأمسيتَ تنظر في شؤون أهل بيتك، ويكأنك تقسّم عليهم ما أفاء الله عليك من الوجد والعاطفة الجيّاشة والحنان والشوق واللهفة والحنين والحرص والنصيحة والإخلاص والشفقة والتضحية والإيثار، فصرتَ تنفق نفقةَ من لا يخشى الفقر فيمن هم أحق بها وأهلها؛ وجذبت إليهم جلًّ عقلك وكلَّ قلبك.

وبين هذا وذاك لا تخش أنك قد تخون حبّك، عندما تصرف فِكرَك وقلبك عنه، لا بأس؛ فلست بانشغالك به صارفًا عنه ضرًا ولا أذى في الدنيا، ولا أنت بمصرخه من عذابٍ في الآخرة! اللهم إلا أن تدعو له!

والمُحبُّ لا يَلفِتُه العالَمُونَ جميعهم حسنًا ولا جمالًا! فهو مملوءةٌ عيناهُ بجمال مَن يحب ولو كان أدنى العالمين جمالًا! فلماذا لا نرى جمالية هذا الأمر ونوظّفه في عبادة ونأصّله بالنيّة فيُصبحُ «غضَّ البصر»! نعم، فريضةُ غضِّ البصر مشقةٌ كبيرة تحتاج لجهاد في الحالة العاديّة للمرء؛ ولكن الحب يسهّلها عليه!

فإن كان لدى المُحبِّ الصادقِ مثقالُ (حبَّة) من تقوى، فإنه سيغض بصرَه عمن يحب أيضًا – وهو الأحرى – ما دام ليس حليلَه، إلى أن يأتي الله بالفتح أو أمرٍ من عنده! وكلما جدّد النيّة أُثِيبَ في كل مرة، فيكون بذلك قد كسب مغنمًا كبيرًا، وحقق عبادة عظيمة، إن تأمّلتَ!

والحب وإن أسهرَك الليل وأرّقَك ولم تجد للنوم سبيلًا، قُمْ فصلِّ ركعتين لله، أوليست روحُك أحقّ بهذه الأوقات المُباركة من أيٍ كان؟! ولا تخشَ أن يلهيك الشيطان بالحبيب كلما ذكرته في صلاتك.. لا بأس، اُدعُ لهُ ولنفسك وأكمِل صلاتك! وبذلك تحقق عبادة قيام الليل العظيمة! تلك التي يتمناها الكثير ولا يدركها إلا القليل، قد ظفرتَ بها!

وإن جمع الشيطان عليكَ وأثخن فيك مستغلًا ضعفك، فلتكُن أنت الأعلى واعلم أنه مهما بلغ كيدُه كان ضعيفًا! فحتى لو لم يستطع حملك على الوصل المحرم والتقرب غير المشروع لمحبوبك، ربما سيُلهِمُك البغضاء، وله من الطُّرُقُ والوسائل الملتفة ألف طريق وطريق! فاقصُم ظهره والزم الدُّعاء، ادعُ لنفسك ولمن تحب واذكر الله؛ اذكُر الله حق ذكره، وقدّره حق قدره، وخيرُ الذكرِ القرآن.. فليَكُن القرآن لقلبك وعقلك ولسانك رفيقًا ولن تندم! فهو لا يترك رفيقه في منتصف الطريق أبدًا، على أن تعطِيَه حقه من وقتك وجهدك وتأملك وتدبرك وحفظك ومراجعتك وتلاوتك آناء الليل وأطراف النهار.

وإن أشقتك الوحدة وصعبت عليك، فعليك بالجماعة الصالحة، الصحبة التي لا يشقى بهم جليسهم، فهُم الذين يشغلونك بربّ الناس عن الناس! وهم الذين ستتخفف معهم من حملِك وتنصرف بهم عمّا أهمَّك، وتشكو لهم غير قلقٍ ما ألمّ بك، واحذر صاحب السوء!

كل هذا ليس بالتمني! إنما يتحقق بشروط: الذكاء والفطنة واليقظة للنفس، وقرارِ ذلك في القلب والعقل، وتصديقِكَ له بالفعل وترويضِكَ عليه النفس، ستُخطئ مرة وتعاود الكرة، وينبهك الله ويغدق عليك مِن كرمِه رسائل الوعي واليقظة وستتعلم الصبر؛ وأعظم الصبر صبرُك على نفسك ورباطك على ثغرك وجهادك في الهوى! ومرة بعد مرة، سيسهل الأمر، وستعتاد العفّة، ليس عن المُحرّمات فقط، بل ستتعفف كذلك عن الفكرة والخاطرة، ستنأى بنفسك وتعلو عن كل ما لا يحلّ وكل ما لا يجمُل.. ستبلغ أسمى مكانة!

يا أخي.. إن العدو الحقيقي للإنسان هو الشيطان، يقول الحق – جلَّ وعلا – في سورة الأعراف: «يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ».

فهو يرى ضعفَكَ مِن حيث لا ترى تدبيره ومكيدته، فالحب مناطُ ضعفِ المُحِبّ، والشيطان يتربص لك موطن الضعف، وهو لا يستطيع أن يعمل ضدك وحده، لا بد أن يكون له أعوان ومساعدون؛ يتخذهم من الظروف وطبيعة الأيام وتقلب الليل والنهار وغير ذلك، ولكن المعين الأول والأكبر للشيطان هو منك وبعض ما فيك، إنه نفسُك! فجاهِدها في الله حقَّ جهاده، ولَيَهدينك سبيله.

والشيطانُ ذكيّ ومجتهدٌ ومتقنٌ لعمله، وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، فلن يأتي للعبد الصالح ويغريه بالزنا مثلًا دُفعةً واحدة! لكنه سيأتيه من حيث لم يحتسب، سيُلهيه عن مهامّه وغاياته، ويشغلُ فكرَه عن العبادة والعمل والعلم وكل الطيبات، فينخدع العبد المسكين ويظن أنه لا يفعلُ منكرًا، ولكنّ الحب أعياه! كلّا ولم يكن ذاك يومًا حقًا!

دعونا نخرُجُ عن القيود الخانقة التي صور وجودها لنا الإعلامُ كذبًا وزورًا! فظلموا بها أكثر ما ظلموا أهلَ الحب أنفسهم! الحب – يا رفيق – ليس دائمًا البكاءَ والنحيبَ والسهاد والإعياء والسقم! ليس الحب أبدًا معيقًا أو مثبطًا في الحياة، بل حقيقةُ الحب نسمةٌ لطيفةٌ تطربك، ورجفةٌ رقيقةٌ ترافقُ نبضَ قلبك، وسعادةٌ هادئةٌ تسري في روحك وتدفعُك دفعًا لتنفذ في الحياة فترقى بها وتسمو.

الحب – يا أحبّتي – عفّة للقلب والجوارح، فلا يقربا في حرمِهِ حرامًا ولا منكرًا ولا قبيحًا، والحبُّ تهذيبٌ للخُلُق، ورُقيٌ للفكر. وكل ذلك ليلائم دورك في الحياة، فأنت لم تُخلَق لتحترق بنار الشوق وتفني عمرك توقًا للسراب! بل خُلِقتَ لمهمة خاصة وهدفٍ شامخ وغاية عظيمة، ابحث عنها في الحال فأُمّتُك بحاجتك، ماذا تنتظر؟ لَهٍي الأحَقُّ بوقتك وفِكرِك وشغفك وتوقك وطاقتك وكلك، أنت خليفة الله، ليكُن الحبّ زادك في رحلتك!

ذلكم غيضٌ من فيضٍ، ولِكُلّ مقامٍ مقالٌ، ولكن هنالك حقيقةٌ الثابتةٌ كلكم يعلمها وجُلُّكم يخشاها! إن المحبوب إنسانٌ عاديّ مَثلُه كمَثَل أي إنسان، فُضِّلَ في شيء، وفُضِّل عليه في أشياء! يقول الإمام الشافعي:

وعينُ الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ … ولكنَّ عينَ السخطِ تُبدِي المَساويَا!

ليس مجردَ بيت! بل نظريّة علميّة؛ إنّ عينَ الإنسان ليست صادقة أو منزّهة، ليست محايدة! وبالأحرى عين المُحب، فهي لا ترى مِمَّن تحب إلا ما تريد أن تراه، أسيرةٌ هي بين العقل والقلب.. أسيرةُ الأهواء!

هل وعيتَ الآن يا صديقي، لِمَ نصحتُك ألا تفكر أن شخصًا واحدًا هو نجاتك من كل هذا، أو أن محبوبك هو الذي يكفيك لا مفر! فلربما يغنيك الله بخير منه خُلقًا وخِلقَةً، وجمالًا ومالًا، ولسانًا وحنانًا، وعِلمًا وعمَلًا، ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا!

ثم ما يكون منك إلا أن تأسفَ على ما ضيّعت مِن أيام عمرك، كنتَ فيها ضعيفَ البصر محدودَ البصيرة!

فاللهُم اجمع بين كلِّ اثنينِ تحابَّا فيك، وعلى مرضاتك تعاهدا، واجعل ما بينهما كما بين عصرِ ومغربِ يومِ صومٍ رمضانيٍّ مبارك، ونجّهم يا ربي واعصمهم اتباع خطوات الشيطان كما تمنعُ الصائمَ شربةَ الماء اتِّقاءً لجلالك.. حتى موعد الإفطار!

أَحِبَّتي أسعدَ اللهُ دُنياكُم وآخرتَكُم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد