صدق أو لا تصدق الحب ليس أحد شروط الزواج الناجح بتاتًا، كل حالات الزواج – والتي تربطني بأصحابها علاقة ما – التي تمت على أساس الحب كان مصيرها الفشل.

وفي أفضل الأحوال يخبرك طرفا الزواج كلٌ على حدة بأن الأطفال، إن وجدوا طبعًا، هم ما يربطهم بالطرف الآخر ليس أكثر.

رغم كل حلاوة الحب وما يرافقه من انسجام وتكامل بين الطرفين، إلا أن شيئًا ما يجعله لا يدوم، تركيبة كيميائية عنصر خفي أو شيء ما يجعله كالبطارية له فترة صلاحية وينتهي بعدها، كما شبهه برفيسور علم النفس في جامعة كاليفورنيا ويليام روبنسون.

أما الفرنسي فردريك بايغبيد صاحب كتاب بعنوان «الحب يدوم ثلاث سنوات» فيقول إن الثنائي العاشق في السنة الأولى يرى كما الحب كل ما في حياته جميلًا، لتبدأ شعلة الحب في السنة الثانية بالانحسار شيئًا فشيئًا، حتى تنطفئ تمامًا في السنة الثالثة.

تقول بعض الدراسات إن الحب يكون نتيجة إفراز هرمونات معينة في الدماغ تجعلنا نتفاعل مع الحبيب ونتغاضى عن عيوبه ونقائصه بصورة مبالغ فيها، وإفراز هذه الهرمونات لا يستمر إلى ما لا نهاية بل فترة قد تطول أو تقصر ولكنها تنتهي.

والآن لنعد لتساؤلنا الأول عن سر الزواج الناجح، وكيف إن الحب ليس هو. أنا شبه واثق بأنه مر عليك من أحد معارفك أو أقاربك أو أصدقائك حالة زواج على الأقل واحدة تمت على أساس حب وانتهت بعد فترة إلى زواج فاشل.

كما قلنا، بعد فترة من الحب يبدأ كل طرف برؤية مشاكل الطرف الآخر وعيوبه ونواقصه التي كانت من البداية، ولكن التغاضي عنها كان هو عنوان المرحلة المنصرمة خلال الحب. وبالتالي، على أثر ذلك تبدأ المشاكل ويبدأ الحب ليبدو شيء من الماضي البعيد، كأنه لم يكن.

ما هو سر الزواج الناجح إذًا؟

ليس نقص الحب، بل نقص الصداقة هو ما يجعل الزواج تعيسًا
نيتشه

نعم الصداقة هي عماد الزواج الناجح وسره وليس أي شيء آخر، الصداقة هي التي تدوم وليس الحب، الصداقة التي لا تنطفئ شعلتها بعد فترة من الزمن أو مع توقف إفراز هرمونات معينة في الدماغ.

مع الصديق المقرب نكون في أفضل حالاتنا النفسية والمزاجية، مع الصديق الحقيقي لا نكون مضطرين للمجاملة والمبالغة في التغاضي عن عيوبنا ونقائصنا، بل على العكس كثيرًا ما نخطئ بحق أنفسنا، لنجد الصديق المنصف لذواتنا هو من يصحح اعوجاجنا وظلمنا بحق ذواتنا.

التفاهم المتبادل والمنطقي والانفتاح على الآخر وتقبله بشخصه كما هو حتى لو لم يكن يشابهنا هذا ما نجده في الصداقة ويغيب من الحب الذي يكون مشبع بالعواطف والأحاسيس اللامعة دون أي منطق، إضافة إلى قيامه – أي الحب – على مبدأ التغاضي والمجاملة بالمطلق.

عندما يكون الزوجين أصدقاء يكون المجال مفتوح إلى أقصى الحدود لزواج ناجح بكل ما تعنيه كلمة النجاح من معنى للزوجين معًا.

والمراد طبعًا من الصداقة في الحياة الزوجية هو ذلك النوع الذي يكون فيه الصديقين توأم روح واحد إن صح التشبيه هنا.

ذلك النوع من الصداقة الذي يدرك فيه كل طرف عيوب الآخر جيدًا ومع ذلك يعرفون كيف يتممون بعضهم دون أي حاجة للمجاملة والتعالي على الاختلافات بحجة الحب والهيام.

وهذا هو ما يفسر نجاح الزواج التقليدي في غالب الحالات في المجتمعات العربية وفشل الزواج الغير تقليدي إن قلنا والذي يكون عن حب وغرام.

الزواج التقليدي هو الذي ينجح لأنك قادر على بناء روابط صداقة مع الشريك حتى لو لم يكن بينك وبينه أي مشاعر حب سابقة للزواج، وروابط الصداقة هذه هي التي تنجح وتستمر ويستطع الزوجين المحافظة عليها بل وتنميتها مع مرور الأيام.

أما الزواج الذي يتم عن حب، تبقى مشاعر الحب هي السائدة على العلاقة بين الزوجين ولا يستطيع الطرفين بناء علاقة صداقة عميقة بينهم يمكن أن تستمر، وبالتالي يتوقف الأمر عند مشاعر الحب الذي تنطفئ جذوته بمرور الأيام.

تنطفئ جذوة الحب بمرور الأيام بعد أن يكون الطرفين قد وصلا حد الإشباع من العواطف والمشاعر المتبادلة، إلى الحد الذي يقف فيه كل طرف بمقابل الآخر دون قدرة على إعادة الانسجام مع الطرف الثاني.

لا يعد كل طرف قادر على التغاضي عما في الطرف الآخر من نقائص وعيوب كما كان في السابق، فيجد نفسه مضطر للتعبير عما يخالج نفسه تجاه هذا الطرف الذي كان حبيبه في سابق الأيام، وينتج على إثر ذلك غياب مفهوم الانسجام الذي كان سائدًا.

“إن الزواج ليس تنفيسًا عن ميل بدني فقط، إنه شركة مادية وأدبية واجتماعية تتطلب مؤهلات شتى لإخراج شباب قوي ذكي يأتي كثمرة طفولة نجت من الإهمال والضياع وتعهدتها امرأة واعية وأب يقظ”
محمد الغزالي

وبذلك يكون الزواج ليس فقط حاجة جسدية للفرد كما يقول الغزالي يتم عن طريقه إشباع بعض من حاجات الجسد والنفس على صعيد المشاعر والعواطف تجاه شخص نال شيء من إعجابنا واهتمامنا نتيجة نزوة سرعان ما تنطفئ بمرور الأيام.

بل يكون الزواج شراكة اجتماعية قائمة على الود والتفاهم المتبادل بين الطرفين، يقدر كل طرف حاجات الطرف الآخر ورغباته تجاهه، وبالتالي تنتج هذه البيئة المثالية من الشراكة أفراد مؤهلين نفسيًا وفكريًا لإعمار المجتمع وبث روح الحياة الإيجابية فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أسرة, زواج, علاقات
عرض التعليقات
تحميل المزيد