تتفاوت الشعوب في درجة إحساسها بالحب، وقد بلغ عند العرب درجة يتجاوزها أي وصف، وبينما لا نجد في كل لغات العالم تعريفًا للحب إلا كلمة واحدة مثل «Love» في الإنجليزية، و«Amour» في الفرنسية، و«Amore» في الإيطالية، و«Liebe» في الألمانية… إلخ، نجد في اللغة العربية الكثير من الأسماء والمترادفات التي تصف حالات الحب المختلفة، وإذا دققنا في هذا التفاوت نجد اختلافات في تناول كل شعب للحب، من المؤكد الدرجة الوجدانية واحدة، ولكن طريقة التعبير تختلف، فمثلًا قيل إن المرأة الفرنسية تمارس الحب على طبيعتها، وتظهر عواطفها ببساطة وبلا حياء، وقيل أيضًا إن باريس هي المدينة الوحيدة في العالم التي يمكن فيها أن يتعانق العاشقان دون أن يلفت هذا نظر المارة من حولهما، على عكس إسبانيا أو إيطاليا، حيث يقال إن المرأة ما تزال في هذه الحالات يحمر وجهها حياء، ويمكن أن يثور الرجل هناك للشرف مثل بلادنا الشرقية.

أما في ألمانيا، فالحب كما يقول شعراؤهم في أشعارهم يورث الهم الذي يعني الحرمان والعذاب، وعندئذ يكتب الناس الشعر، ونجد أن الشعر الألماني عن الحب من أروع الأشعار التي كتبت وقد قيل عندنا: أشعر تشعر.

أما المرأة الإنجليزية فهي عملية أكثر، وأقل رقة من الألمانية، وهي تقدر الكلمة رسولًا للحب والغرام، ولكنها لا تعرف الحرمان.

وإذا انتقلنا إلى الحديث عن المرأة الأمريكية فنجد أنها أقل نساء العالم الغربي معرفة بالحب؛ لأن المبادئ الأمريكية في الحياة هي الحركة والتقدم والنجاح، وهي أمور تناقض نشوء الحب ولا تلائمه، وقد تجرب الأمريكية الحبيب، وقد لا يعجبها بعد ذلك، وقد تتزوجه وسرعان ما تطلب الطلاق، ويقال إن الأمريكي من أكثر الناس سذاجة في أمور الحب وأشدهم جهلًا ظفي مسائل النساء، ويمكن مراجعة كتاب «الحياة والحب» تأليف إميل لودفينج، الذي يتحدث فيه عن الحب في المجتمع الأمريكي.

أما بالنسبة للحب عند العرب، فهو من أغنى الفنون الإنسانية، وتراثنا مليء بقصص الحب الرومانسية والحسية العديدة، مثل قيس وليلي، وجميل وبثينة، وعنترة وعبلة، وغيرها الكثير، ولم تأت هذه التسميات المعبرة عن الحب من فراغ، فلكل مسمى معنى وقيمة يليق به، فمثلًا:

سمیت «علاقة حب» لتعلق النفس بالمحبوب، وتعلقه به والحب نفسه عاطفة مركبة، وسميت العشق وهو فرط الحب، والشغف واللوعة وهما بمعنى الحرقة والألم، ويجد فيهما المحب لذته، و«الجوى» وهو شدة الوجد من العشق، و«الصبابة» هي رقة الشوق إلى المحب و«الوجد» هو الحب الذي يتبعه حزن، و«الشجن» حب به كثير من الهم، و«الشوق والاشتياق» بمعنى نزاع النفس للشيء، و«الوصب» هو ألم المحبة، و«الرمق» هو خالص المحبة. والسهر والأرق والكمد من لوازم الحب والشوق، وكل هذا يؤدي إلى الغرام، أما الوله وهو ضياع العقل في الهوى. إنها حقيقة الحب ودرجاته.

وإذا نظرنا إلى كل هذه المسميات، فسنجد أن بينها خيطًا رفيعًا، وأنها في النهاية مظاهر سلوكية وحالات سيكولوجية لشيء واحد تعني التأثير الوجداني للمحبوب، والإحساس بالترابط معه، والشوق والحنين إليه. إنها علاقة إنسانية حساسة للغاية.

وهكذا نرى أن الحب مراتب، فمثلًا إذا ارتفعت حدته وتأكد تحوله إلى عشق، والفرق بينهما كما قيل إن الحب والمحبة يكونان بلا شهوة، بينما العشق يُقْرَنُ بالشهوة، وقيل أيضًا إن عنصر الشهوة موجود بالحب دائمًا، وليس شرطًا أن يحوي الحب شبقًا، وأنه يكفي أن يكون عاطفة أغلب وجداناتها المحبة، وتستهدف الارتباط بشخص آخر، والحب سمو في كل حالاته، وفي كل أنحاء العالم؛ لأنه عاطفة إنسانية لا ترتبط بمكان ولا بزمان؛ فهو موجود في كل أنحاء العالم وبكل لغات العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد