المرح هو عنوان التنافس بعيد الميلاد بين المناطق اللبنانية، نسبة لتطبيق اللامركزية الإدارية التي فتحت المجال أمام البلديات وفعاليات المناطق اللبنانية جميعًا، أن يتشاركوا في ما بينهم المرح، ومن جهة أخرى ما عادت الفرحة والبهجة مقتصرة على زاوية واحدة؛ فيمكن للمواطن أن يستمر بعبور العيد من منطقة إلى منطقة مع عائلته مهما كان دينه، ومهما كان انتماؤه؛ فهذا لبنان بلد التعايش الذي عرف هذا العام بإدارة رئيسه كيف يقحم اسمه محاولًا دخول كتاب غينيس بأكبر فرحة عيد عبر شجرة جونية للميلاد.

من بيروت تبدأ الفرحة، أي قلب بيروت، الأشجار بالشكل في العاصمة تقليدية لم تخرج الشجرة عن الشكل المعتاد، دون سوق أبو رخوصة: ألعاب، مأكولات، مواد أولية للأكل، حلويات الأطفال على أشكال متعددة، شجرة أمنيات للأطفال يلقون عليها أمنياتهم على أوراق، كلها موزعة في هذه السوق الصغيرة التي شكلت قرية متراصة.

بعد بيروت المتن حيث تبدأ حكاية التفنن بالشجر لتصب بجونية، قلب كسروان حيث لرئيس الجمهورية الحصة النيابية الأكبر باعتباره صعد على منبر البرلمان من كسروان، هكذا كافأته جونية بأكبر شجرة عيد استمرت الهندسة بها شهر كامل، تعهدها «س. مهنا للتعهدات» وهي مصنوعة من مواد صلبة مضاءة تغمرها من الأسفل، شخوص المغارة أيضًا المصنوعة من المواد عينها وتحاوطها منازل صغيرة تجمع الصغار والكبار على مدار شارع المشاة. هنا، الكل يعيد من كل المناطق، يزورون الباطية وهو موقع صلاة، ينتقلون إلى مدينة الملاهي للأطفال، ويتصورون قرب الشجرة، ويزورون جونية شارع التسوق المحجوز صيفًا للمهرجانات والتسوّق؛ فيطرح رئيس بلدية جونية جوان حبيش مشروعه وينافسه مشروع آخر فتنفذ كل المشاريع.

كيف تتم التحضيرات؟

المناطق البلدية مسؤولة عن الأشجار، اللعبة في لبنان على رغم فوضويتها فهي ديمقراطية، شكل الشجرة، من يتعهد، كل هذه التفاصيل تخضع لتصويت المجلس البلدي، أما الأحزاب فحصتها في المشاركة كما الجمعيات المدنية. ففي جبيل، حيث احترقت العام المنصرم الشجرة، هذا العام جددت بالأبيض، بشجرة جديدة، مع رئيس جديد، بحلة جديدة، تغير الرئيس الذي كان سابقًا من جبيل، طرح استفهامات متعددة، في الشارع الجبيلي قبل غيره كيف سيعيد حزب الرئيس العيد؛ لذا كان لدينا حوار مع منسق التيار الوطني الحر في جبيل أنطوان أبو يونس. أنطوان لم يضع النشاط هذا في فترة العيد في خانة العمل السياسي، حتى لو يصب في المطلق في الحملة، فالتحضيرات الميلادية وفرحة العيد تعني كل الطبقات، الأعمار، والأديان. طبيعة جبيل المختلطة توسع رقعة التعايش والفرح؛ ففي هذا العيد المتجه أكثر إلى طابع عائلي، باعتبار أنه في فرص العيد تجتمع العائلة، للحزب نشاط، حتى لو كانت الشجرة لا تقلب مقاييس المعادلات النيابية والاقتراع بالنسبة لأنطوان يتعاطى مع العيد من وجهة نظر «الفرح»، للأولاد حصصهم في حفلة سنوية، وهو نشاط ينظمه الحزب عدا نشاط النواب، المعازيم ليسوا فقط أولاد الناشطين في الحزب؛ فالدعوة عامة تصل إلى كل سكان منطقة جبيل وينسق مع المسؤولين، لا هم في تمويل النشاطات فهي تتوزع بين اشتراكات الأعضاء، بمعونة النواب ومسؤولي التيار ومتبرعين.

يحكم منطق مختلف جدًا في جمعيات المجتمع المدني، منهم متلقو مساعدات، ومنهم من يستمرون في التخطيط لهذا النهار طوال السنة؛ فيدخلون كل بيت بسلة مونة وزوادة بهدف الإفادة الاجتماعية.

وبعد الميلاد، أين رأس السنة؟ تترافق مرحلة الميلاد بأخرى: الأبراج والتوقعات لمن سيمضي رأس السنة في المنزل، والمبالغ الباهظة للمتمكنين ماديًا القادرين على الاحتكاك بمغنين ومطربين أمثال وائل كفوري أو إليسا الذي يصادف عامها في الدول العربية، فيلحق بها معجبوها من اللبنانيين وغير اللبنانيين إلى حيث هي.

هكذا يحتفل لبنان بعيده، على الرغم من أن المرحلة السياسية الآتية قد تشهد توترات انتخابية؛ فتكون هذه الفترة المتنفس الوحيد قبل مايو (أيار)، إذ ستحتدم المعارك وينسى الجميع ما تعايشوه من عيش مشترك عابر للمناطق بشد العصب الطائفي، الذي قد يفرز طبقة سياسية إما أكثر طائفية وإما مشابهة أكثر لما سيكون قد عاشه لبنان بعد أيام قليلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد