رسالة من فارس مغوار:

هل غادر الشعراء من متردم ** أم هل عرفت الدار بعد توهم

يا دار عبلة بالجواء تكلمي ** وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي

فوقفت فيها ناقتي وكأنها ** فدن لأقضي حاجة المتلوم

كانت هذه هي رسالة الفارس الصماء التي أذابت قلبه، هذا الفارس الذي أينعت له الرؤوس وشرب وجهه من لسعة الشمس القاسية وامتزج قلبه بجفاف الصحاري، حينما يدفع الحب به فإنه يتيه فلا يلقي بالاً وينسى أنه فارس مغوار؛ فيتحول إلى عاشق ولهان سحر بكلمات العشق داخل حبات الرمال .

حينما نبحث في حياة العرب قديما نجد روعة الشعر، كيف كان يلمع كالنجم في سماء شبه الجزيرة العربية، يحفر معالمه على أرضها، نبت من خير الطبيعة فلم تلوثه مستحدثات التقدم التي طغت على جمال الفطرة، تلك الفطرة والشجاعة في الحب، لم تكن رسائل الحب نصيه، بل كانت حسية تجب كل عائق وتمحو كل حاجز وتنفذ كالسهام فتخترق ساحات القلوب وتئن لها الصدور شجنًا وتنصهر حبًا، ولم تكن تلك الرسائل سريعة الذوبان داخل قلب الأنهار كما هو الحال في زماننا هذا؛ حيث أصبحت سريعة الانتقال وسريعة الارتحال.

حينما انقلبت موازين الحياة انقلب معها شعورنا بالحب، أخذنا نبحث عن قصص الحب الأسطورية التي تعرت وأخفتها معالم الزمان فلم تجد من يضمها فيكسوها بفيض من الحب الصادق، ويحمي معالمها من الغبار الذي أخفاها.

أما أنا فقد ضللت الطريق فتجزأ قلبي لعدة أركان تسري في خيال الحياة وبين أحلام الحب الساكنة في الأنفاس ليسألني ضميري أين قلبي؟!

هل هو حب أم تخيلات تريد من يحتويها، أتساءل في نفسى وأوزع نظرات الإعجاب والرغبة في الخلود داخل البيت الرقيق الذي يسكن بداخلي؛ فأجد جدران تحتضنه فيشعر بالدفء والحنان، لأعي جيدًا أن من لم يجد للصب غدًا قد افتقد شيئًا عظيمًا داخل روحه.

هذا الخيال الذي يلازم الضوء وينير البصيرة، قد تتغير بسببه حياة إنسان بالكامل للأصلح أو للأسوأ.

تعلمت من حياة الجاهلية الشجاعة والفطرة والحفاظ على الحب، لكن النقاء والعفة نقلتني لمرحلة أخرى من الحياة، تلك الرومانسية التي ظلت نبراسًا للأمم وحفرت داخل صحائف الهدي النبوي، إنها الرومانسية في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم- وهو صادق القول وطبيب النفس وطاقة الحب والحنان، كان ينتقي الكلمات فتشرئب حمرة الخجل على وجه السيدة عائشة وهو يغازلها ويقول لها يا حميراء، وموقفها وهي تحكى عنه بعد وفاته بعشرين عامًا، وتتذكر ملامستها له وهي تقول «جاءني ذات ليلة حتى مس جلدي جلده»، هي التي قالت: «فرأيت وبيص المسك في مفرق رأسه» في حجة الوداع، عاش في ثناياها واختار أن يموت بين سحرها ونحرها، أما موقفه من السيدة صفية فكانت ركبته موضع قدمها حينما أرادت أن تركب البعير أثناء الحرب.

وعن حبه القديم أما آن الأوان أن ينساه، يذكر السيدة خديجه تلك المرأة العجوز ذات الخمسة وستين عامًا التي عشقها فغارت لأجل ذلك السيدة عائشة وهي تحدثه «ماذا تريد من امرأه عجوز حمراء الشفقين قد هلكت في الغابرين أما أبدلك الله خيرًا منها؟»

رد عليها وهو غاضب «لا والله ما أبدلني الله خيرًا منها، فقد واستني إذ حرمني الناس، وآوتني إذ طردني الناس، وآمنت بي إذ كذبني الناس ورزقني الله منها الولد»

أي حب كهذا؟!

أما نحن أبناء بني آدم فنهيم بمشاعرنا وراء وجوه تشبه ملامح مألوفة لنا، ونشد الرحال داخل رحلتنا الكبيرة فيكتمل البيت الذي بنينا جدرانه من خيال الجمال والحب، أما داخل النفس فهناك فطرة وتجارب وبيت لا نعرفه، يظهر طالعه عند أول رحلة، تتجاذب الطوالع أو تتنافر لا ندري، ولكن ما يجب أن ندركه جيدًا أن غذاء النفس والروح هو الذي يرسم العلاقة، وأن أقرب الطرق للقلوب هو التفاهم والتنازل، فكم من صحاري ازدهرت رمالها فتناثرت داخلها الحياه وتشبعت بالمعمرين، حينما نصلح من أنفسنا ينصلح لنا الآخر طبقُـًا لقانون الجذب؛ فنرى جمالاً تراه أعيننا وتشعر به أنفسنا.

علينا أن نرسم الصفات التي نريدها فيمن نحب ونلونها بألوان من التفاؤل فنبتعد عما يثير النفس بكل ما هو سيئ، نحن من نصنع الابتسامة ونحن من نصنع الحزن، أما قدر الله فلا يأتي إلا بالخير، وقد لا نشعر به ولكن الله هو الذي يعلم ما تخفيه صدورنا وما هو خير لنا.

وعن لغة القلوب فلا شأن لنا بها، لأننا ولدنا بها وكبرنا بها وسارت في أجسادنا كمسرى الدم للقلب، قال عنها المتنبي:

ما لاح برق أو ترنم طائر ** إلا انثنيت ولي فؤاد شيق

جربت من نار الهوى ما تنطفي ** نار الغضا وتكل عما يحرق

وعذلت أهل العشق حتى ذقته ** فعجبت كيف يموت من لا يعشق

هذا هو الهدف الذي نعيش من أجله، هو الدار التي لا تترك صاحبها عاريًا في صقيع الليل، والسكن الذي تطمئن له النفس، فإن بنى على طهارة ونقاء دون غرائز وشهوات اشتدت أركانه دون أن يهوي مع أول كوارث الحياة ليخلف جيلاً يرعى ثمار الأرض ويغرس حبات العشق داخل الرمال فتولد حياة جديدة، ويضاء الكون بالعمار والعبادة والحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد