هل سبق أن وقعت عيناك على بعضٍ من رسائل الحُب المرسلة لشخصٍ ما فتمنيت لو أنّك مكانه؟ أو تمنيت أن يبعث أحدهم لك برسالة تحوي بعضًا من كلمات الحُب والاهتمام، وأن تتفقد جوالك صباحًا، فتجد رسالة «أحبك» تنير ضوء شاشته، أو أن يبعث لك أحدهم رسالة ورقية بخط يده فيقول: «ذكرتك الليلة الماضية حيثُ النجوم والقمر».

الحق أنّ لا رسائل ولا كلمات كتبها أحدٌ لك، صحيح؟! حتى أصغرها من تلك القصاصات والكلمات القليلة التي تحوي داخلها حشدًا من الدلالات، أو حتى تلك القصاصات التافهة حيثُ الأجدر أن يستقر محلها في قاع سلة النفايات.

حسنًا، إذًا أنت مثلي تمامًا، ولكنّي تقبلت الأمر الواقع وهو أن لا أحد يهتم لأمري، لا أحد!

ربما لو كتب لي أحدهم شيئًا فالأجدر أن يلملم بعض الكلمات اللاذعة على ورقة مهترئة سبق وأن وضع عليها كوب قهوته في الصباح الباكر، فتساقط عليها بضع قطرات منها، وقبل أن يخط عليها بقلمه عدّ أنّ كتابة رسالة لي على ورقة بالية كهذه بمثابة إهدار وتبذير، ربما الأجدر أن يلف بها رغيف الجبن القديم الذي أعدّه لتوه، أو أن يجرب عليها بعض العمليات الحِسابية المستعصية التي تسبب عصفًا ذهنيًّا، أو حتى يتركها على مكتبه لتستقبل قطرات متساقطة من كوب قهوته في الصباح التالي.

سبق وأن وثّق أحدٌ من الذين أُتابعهم أنّه قد أتمّ كتابة عدد هائل من الرسائل -لم يرسلها بعد- لمحبوبته منذ اليوم الذي فتح فيه قلبه لحبها، أثار ذلك سؤال خفي داخلي.

لِم قد يحظى أحدهم بكل الاهتمام بينما آخر لا يعيره أي أحد ولو مقدارًا يسيرًا من الاهتمام؟ بدا لي أن تلك الرسائل كلها قد تؤول يومًا إلى سلة المهملات دون أن تصل إليها!

إنه شيء لا يُحسد عليه!

تُرى ماذا سيحدث له حين يعلم أن كل تلك الليالي الحالكة التي قضاها في كتابة رسائله، وتعذيب قلبه بالحب قد أُهدرت عبثًا؟

حين يعلم أن كل ذاك الحُب قد دُفِن بين جنبات كلماته ولم يتخط حاجز الورق!

ماذا سوف يحدث له لو أن مصير رسائله من مصير رسائل غسان كنفاني إلى عزيزته غادة السمان، كل من يقرأها يتلمس صدق مشاعره، ويقدر حبه وكل محاولاته المهدرة في التعبير عن حبه، إلا هي سوف ترى أنّه عملٌ أدبيٌ فَزّ يستحق النشر والتباهي به، عملٌ أدبي لا أكثر ولا أقل غير مبالة بالحُب الكامن بين طيات الكلمات، وقلب صاحبها.

يتوسلها مثل غسان أن تبعث له برسالة واحدة، إنّه يبعث لها عشرات الرسائل، ولا يريد منها سوى واحدة فقط! فتشفق عليه فترسل له مثلَ غادة «صباح الخير! أقول لك دمعتُ».

آه يا عزيزة! إنه يتقطع من الشوق، ويتجرع سقمًا من عذاب الحُب وتقولين له بكُل بساطة «دمعتُ»، هكذا فقط!

فيرد عليها هو بكل ألم مثل غسان «لقد آلمتني رسالتكِ، ضننتِ عليّ بكلمة حارة واحدة واستطعتِ أن تظلي أسبوعًا أو أكثر دون أن أخطر على بالكِ، ياللخيبة!».

لم لا تكفين عن الترفع وممارسة دور صعبة المنال يا عزيزة؟! إن لم تفعلي فسوف يكف هو عن إرسال تلك الرسائل بخط يده بعد أن كان يكتب بأقلام الحبر المفضلة لديه؛ ليخط بيده كلمات تنبثق من مهجته، وتنبع من بين شقي قلبه، ويعطر الورق بكل حب، سوف يكتفي بأن يرسل لكِ رسالة إلكترونية لا تتلمسين فيها خط يده، ولا رائحة عطره، ثُمّ يمِل من لامبالاتكِ فيوقِف عبث الحب ورسائله.

لكنّه لم يكف!

ما يزال يكتب الرسائل يومًا بعد يوم!

إنه يتألم بشدة ولكن ما زال يكتب!

ما يزال قلبه يتقطع شوقًا لها.

ربما سوف يظل هكذا إلى أن يلين الله قلبها تجاهه، أو إلى أن تأخذه المنية فتريحه من آلام قلبه التي لا تتركه لحاله.

الحقُ إني أشفق على غسان ولكل من وقعوا ضحية بلاهتهم!

أشفق على كُل من ساروا نهج غسان ذلك في الحُب، ماذا سوف يفعلون بكل هذا الحُب وحدهم!

لِم لا يحمِل أحدٌ شطرًا منه فيتبدل نار قلبهم جنة؟!

لِم عليهم أن يتألموا لوحدهم فيُكسَر صمتُ الحُبِ في غمده بدلًا من أن يكون الحُب هو السيف الذي يحميهم!

حقًّا ليس كلّ الحبِ نعيمًا، فبعض القلوب تحمل من ألمِ الحُب أكثر مما يحتويه قلبُ شريدٍ مُغترب.

لذا عزيزي المخدوع بتراهات الحُب ورسائله نفض عنك تلك السخافات، وطبق تلك الورقة المهترئة في جيبك علّك تحتاجها في تدوين شيءٍ أكثر أهمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد