الحب هو ذاك الشعور الذي إذا سيطر على كيانك سترى الدنيا بأسرها لا شيء أمام حبيبك، الحب دقات قلب متسارعة غير منتظمة ترقص على ألحان معشوقك، الحب طاعة عمياء، الحب أن يصير حبيبك طبيبك، الحب طاقة لا مثيل لها تحركك كما تشاء بل وتسوقك، أن يصير هواك خاضعًا لحبيبك، تنتهي عما يكره، وتسرع دون حاجة إلى دعوة لتلبية ما يحب، هو المسامحة واللطف والعفو عند الخطأ، هو التماس الأعذار بعد سبعين عذرًا، والاستماتة في الحصول على رضاه عنك، فسبحان من جعل هذا القلب ينبض بل ويسارع في النبض عن رؤية شخص بعينه أو سماع اسمه حتى.

سبحان من جعل الحب هو أساس في تكوين أساس المجتمع وهي الأسرة، فلا أسرة سعيدة وناجحة بدون حب متبادل بين ركنيها وبين كل لبنة في البيت، فتكون التربية أساسها الحب، والتعامل أساسه المودة والرحمة؛ فيصير النشء سليمًا متّزنًا معافي نفسيًّا قبل جسديًّا، وسبحان من جعل الحب فيه سبحانه جزاءه ظل العرش، فقد أخبرنا رسولنا الكريم عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله من بينهم «اثنان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه»، وسبحان من جعل مذاق الحب بهذه الحلاوة، وأن من يتذوقه ثم يُحرم منه يشعر أنه يختنق كمن حُرم من وصول الهواء إلى رئتيه، هذا هو الحب المتعارف عليه بين البشر.

لكن هناك حب من نوع آخر تمامًا، حب بنكهة الجنة، إنه حب الله سبحانه وتعالى جلّ شأنه لك، تخيل أن مصدر طاقة الحب التي لا تنضب في الوجود يحبك، خالق السماوات السبع والأرضين السبع والكواكب بل المجرات يحبك أيها الإنسان الضئيل الحجم مقارنة بملكوته، إذًا كيف تتصور أن يكون هذا الحب! نحن قد غُمرنا بحبه ونحن لا ندرك، ليس فقط بسبب غفلة منا بل لأنه غمرنا بحبه فعلًا قبل أن يرزقنا بعقل يدرك، منذ أن اصطفانا لأن نكون بشرًا خلفاء له في أرضه وأمر الملائكة بالسجود لأبينا آدم تكريمًا للبشرية بأسرها وطرد إبليس من الجنة بسببنا لأنه خالف الأوامر، ثم رحمته بنا داخل رحم أمهاتنا ونحن لا نملك من أمرنا شيئًا، رزقنا الغذاء والأكسجين وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، وخلقنا في أحسن تقويم وأجمل صورة، وأخرجنا إلى الدنيا على الفطرة السليمة، على الدين الإسلامي الحنيف، رزقنا بكل مقومات الحياة، بأسرة وبيت وغذاء، رزقنا بحليب أمهاتنا الذي يحتوي على كمية من مضادات البكتيريا والفيروسات لا تتخيلها ولو سمحت لك الفرصة لإدراكها بالتفصيل لبكيت من فرط رحمته، رزقنا العزيمة والإصرار حتى أن الفرد منا حاول في المتوسط ألف مرة قبل أن يتقن تعلم المشي، علمنا كيف نتعلم بأن رزقنا العقل ومستوياته المختلفة في التفكير، ميّز كل منا بصفاته الخاصة، ولم يجعلنا نسخًا متطابقة تكريمًا لنا، وبعد كل هذا نعصيه بنعمه ونتبع ذلك الشيطان اللعين الذي يريد طردنا من الجنة كما كُنا سببًا في طرده، نعصيه ثم ماذا؟ أيطردنا من رحمته؟ أيمنع عنا نعمه ويقبضنا فورًا لننال العقاب؟ لا أبدًا، إنه الكريم الرحيم الودود الستّير، يستر عيبك عن كل البشر حتى تعود إليه ذليلًا له وحده، تائبًا عما مضى فيفرح بك فرحًا لا تتخيله، ويجعل التائب من الذنب كمن لا ذنب له، كما جعل لنا صفقات رابحة في حياتنا، فالحسنة بعشرة أمثالها، والسيئة بواحدة فقط.

وجعل برحمته من الأذكار ما يمحو الذنوب ولو كانت مثل زبد البحر كقولك سبحان الله وبحمده مائة مرة، وجعل من الأيام نفحات تكفر عنك ذنوب سنين من عمرك كصوم يوم عرفة وصوم عاشوراء، وجعل من الأشهر شهر رمضان الذي تُكبّل فيه الشياطين ويُضاعف فيه أجر السُّنة إلى فرض وأجر الفرض إلى سبعين، وأنزل القرآن الذي إن شاء ربك بكلمة واحدة منه تتغير كل حياتك للأبد.

ربك الذي إن كنت في أشد مآسي حياتك أخبرك «فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا»، ربك الذي هو أضحك وأبكى، الذي جعل العبادة والسلطان له وحده وبهذا رزقك بعزة النفس فليس لأحد من الناس سلطان على رزقك لقوله تعالى: «وفي السماء رزقكم وما توعدون»، وليس لأحد أن يخيفك ما دام القوي العزيز الجبار معك، فسبحان الله، سبحان من يتودد إليك وهو الغنى عنك؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي وَاللَّهِ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلَاةِ وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ».

فكيف إذا أتيته أنت تهرول؟! إنه الحبيب سبحانه الرحمن الودود من يجبر كسرك ويستر عيبك، من يغار على قلبك من حب آخر استولى عليه فيجعل ذاك الحب موغرًا لصدرك مسببًا لك الآلام حتى تعود إليه رافعًا راية الاستسلام، عازمًا على أن تضع الأمور في نصابها، وتضع من يستحق الحب في مراتب، ولن تجد أحقَّ منه بالمرتبة الأولى، حتى في عتابه سبحانه على أكبر ذنب يمكن أن يرتكبه عبده وهو الارتداد عن دينه، تأمل قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ»، العقاب حينها هو الاستبدال بقوم يعرفون حقًّا أن العبادة أصلها الحب ولا تستقيم إلا بالحب.

هذا هو حبه لجميع عباده فكيف بحبه لمن يحبه؟! إنه حب خاص يتمثل في الولاية، وهي حبٌّ ونصرة يلخصه لنا حديث رسولنا على لسان رب العزة: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»، ومن علامات حب الله أيضًا هو الابتلاء فيرفع به الدرجات ويلهم الصبر عند الصدمة الأولى ويربط على القلب ويرزقه السكينة.

هنا الكلمات تقف عاجزة أمامه سبحانه فهي لا تستطيع وصف ما في القلب والقلب الصغير غير قادر على استيعاب كل هذا الحب، فمن تذوق حبه ارتوى ونسي الحاجة إلى حب آخر يملأ قلبه، من يدرك جزءًا ضيئلًا من حبه لا يستطيع إلا أن يحبه، ومن أحبه شَعَرَ بلذّة لم يتذوق مثلها من قبل، عندها تكون الطاعة العمياء وعندها يكون ربك حبيبك طبيبك، لكن إحساس الحب هذا غير، حب بلا آلام العُشَّاق، بل نبض قلبٍ هادئٍ مليءٍ بالسعادة والأمل والاشتياق، للقاء ربٍّ حبيب قريب مجيب الدعوات واهب النعم والأرزاق.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد