كان أربعة رجال يكادون يتضورون جوعًا، وإذا بهم يجدون بعض النقود كانوا شركاء فيها، فدخلوا السوق ووقفوا أمام أحد التجار، وطلب كل منهم طلبًا، حيث نطق العربي منهم كلمة عربية، والفارسي كلمة فارسية، والتركي كلمة تركية، والهندي كلمة هندية، فلم يفهمهم التاجر، أما هم فقد أخذوا يتصايحون ويتشاجرون، وكل منهم مُصِرٌ على طلبه، ثم أخذوا يتقاتلون ويسفكون دماءهم، ويمزقون ثيابهم، في الوقت الذي مر بهم رجل حكيم، فأوقف قتالهم، ثم استمع لكل منهم، وفي النهاية ذهب وأحضر لهم عنقودًا من العنب، فابتسموا جميعًا، وأخذ الحكيم العنقود وعصره لهم وأتى به عصيرًا اشتركوا جميعًا في ارتشافه بعد أن خلصهم الرجل من قشوره.

لقد فهم الرجل الحكيم أن الأربعة يتحدثون عن نفس الشيء، ولكن بلغات مختلفة، ولأنهم لا يفهمون لغات بعضهم، فقد ظنوا أن كلًّا منهم يطلب طلبًا مخالفًا للآخر، ولكن الرجل الحكيم علم أنهم يطلبون نفس الشيء. (عن مولانا جلال الدين الرومي بتصرف)
هذه القصة قصد بها مولانا أن يخبر البشر أن اختلافهم في الأديان والأفكار ما هو إلا اختلاف شكلي، وأن كل هذه الأديان والأفكار السامية ليس لها إلا مقصد واحد يشتركون جميعهم فيه، وعليه يمكن أن يتعايشوا جميعًا معًا دون خلافات أو حروب، ودون أن يحاول كلٌّ منهم أن يحتقر ما ينتمي إليه غيره، لأن مقصدهم في النهاية هو مقصد واحد، وهو الحب.

ولكن الإنسان مخلوق عجيب مليء بالأسرار، حباه الخالق بما لم يحاب به غيره من خلقه، فأعطاه روحًا تتطلع دومًا نحو السمو، وعقلًا قادرًا على التحليل والتركيب، ثم الحكم والقدرة على الاختيار الحر، ونفسًا تتصارع فيها الأضداد بلا هوادة، ويظل الإنسان حياته في هذه الصراعات النفسية بلا نهاية.
هذه الأمور لم تتوفر لغير الإنسان، فكان في أحسن صورة وأفضل هيئة، وصار هو الأنسب لحمل الأمانة، وسواء كنت مؤمنًا أو ملحدًا فإنك ستؤمن معي بأن الإنسان هو صاحب اليد العليا في هذه الأرض على بقية المخلوقات، وأنه استطاع من تضافر جهود روحه وعقله ونفسه أن يصبح هو سيد الأرض، والمقرر لما يدور فيها، وإن كان بالطبع لا يتحكم تحكمًا تامًا فيما يجري، ولكننا نستطيع القول إنه أكثر المخلوقات قدرة على التعامل مع مجريات الأمور المختلفة.

ورغم مرور العصور الطوال على سيادة الإنسان على هذه الأرض فإنه لم يحسن هذه السيادة، وإنما صار هو الخطر الأول الذي يهدد الحياة على سطح كوكب الأرض، لا حياته فقط، ولكن حياة كل المخلوقات الأخرى المشاركة له في هذا الكوكب، ورغم ما قدمه الإنسان للحياة على سطح الأرض من منجزات روحية وفكرية وعلمية إلا أنه لم يستطع أن يحقق السلام الشامل، ولم يستطع أن يجعل الحب سيدًا حاكمًا على الأرض، بل يبدو العكس هو الأصوب حيث جعل الإنسان الحروب والصراعات والكراهية هي العنصر السائد في حياة البشر، وعلى استحياء قدّم بعض الحب والسلام.

فهل لنا أن نطمع يومًا في أن يحقق الإنسان السلام الشامل، وأن يسود الحب العالم حتى تسير الشاة في كنف الذئب وهي مطمئنة؟ هل يمكن أن يأتي يوم يعمّ فيه الحب وتنتهي كل الحروب والصراعات؛ حيث لا يستغل القوي الضعيف، ولا يستعبد الغني الفقير، ولا يتناطح المختلفون حول الأديان والأفكار والفلسفات، حيث يصبح الشعراء هم السادة، والموسيقيون هم الحكام، والمحبون هم الرؤساء، والعاشقون هم رجال الأديان؟

الإجابة القاطعة عندي: لا، لن يأتي هذا اليوم قط، وسيبقى الإنسان في حروب وصراعات وسفك للدماء، فإن الإنسان مفطور على الصراع، فروح الإنسان وجسده يتصارعان بلا نهاية، وعقل الإنسان تتصارع فيه الأفكار بلا نهاية، فلا يستطيع أن يجمع البشرية جمعاء على فكرة واحدة مهما بلغ يقينها، ونفس الإنسان مليئة بالصراعات بين الخير والشر، فتارة يميل إلى الخير وأخرى إلى الشر بلا نهاية، فكيف يمكن بين هذه الأضداد أن يترك الإنسان كل صراعاته ليعلن إقامة دولة الحب والسلام التام. إن من يظن أن ذلك ممكن إنما يعيش في عالم من الأحلام اللامنطقية، والتي لا تتناسب مع طبيعة الإنسان.

عندما وصل البعض إلى هذه الحقيقة وتيقن منها وأدرك أنه في صراع لا ينتهي، قرر أن واجب الإنسان في الحياة أن يكون قويًّا، وأن القوة هي الصفة الرئيسة التي يحتاجها الإنسان كي يستطيع الحياة في هذه الأرض التي لن تخلو من صراع، وبالتالي ذهبوا إلى أن سحق الضعفاء واستغلالهم ليس أمرًا غير أخلاقي، ولكنه يتناسب مع طبيعة الحياة حيث لا بد للقوي أن يفترس الضعيف، بل واعتبروا أن الأخلاق وكلمات مثل الحب والسلام والرحمة ما اخترعها إلا الضعفاء حتى يقنعوا الأقوياء بأهمية الحب والسلام فيكفوا عن افتراسهم، أي أنها حيلة من الضعيف ليخدع بها القوي.

ولكن مثل هؤلاء قد استسلموا للصورة السائدة حولهم، وقرأوا سطحها فقط في حين أن الأعماق قد احتوت على ما قد يغير نظرتهم تلك، فالرحمة التي ادعوا أنها اختراع الضعفاء هي في الحقيقة خلق لا يعرف قويًّا أو ضعيفًا، وإنما هي غرس ينبت في كل القلوب، وكم من قوي تألم لحال الضعفاء والفقراء ورقّ لهم، فالصراع بين الأضداد في داخل النفس البشرية لا ينتهي عادة بانتصار قوى الشر على قوى الخير، وإنما هناك نفس تختار أن تكون من قوى الخير، وأخرى تنتشي من انتمائها لقوى الشر حيث اللذة والمتعة ولو على حساب الغير.

وهذا هو اختبار الإنسان على هذه الأرض، إن الحب هو الاختبار، والاختيار يكون بين أن تختار الحب برغم ما قد يسببه من ألم وضعف وضياع لفرص المكسب، أو أن تختار اللذة القاصرة ولو على حساب الآخرين، وفي الحالة الأولى يكون الإنسان قد حقق الهدف الذي خُلِق من أجله حتى ولو لم يعرف أنه في اختبار، أو أن الحب هو الاختيار الأمثل، حتى ولو لم يعرف ربه أو يؤمن بدين، فما الأديان إلا سهم يشير إلى طريق الحب، فمن وصل إلى الطريق بغير سهم فقد وصل، وليس من المنطق أن يكون السهم أهم من الطريق أو أن الدليل أهم من النتيجة.

وفي الحالة الثانية يكون الإنسان قد حاد عن الطريق، حتى ولو أمسك في يده السهم، فما أسهل أن يبدّل الوجهة التي يشير إليها السهم ليجعلها تشير إلى ما يرغب هو فيه، ولأن الإنسان يحتاج تبريرًا دومًا كي يسير في طريق الشر ليريح ضميره، ويُسَكِّن نفسه فهو دائمًا ما يبحث عن مبررات تتيح له أن يقتنص لذته، فتارة يفسر الدين على هواه فيخرجه عن طريق الحب ليجعله مطية تصل به إلى حيث يريد، فيتحول الدين على يديه إلى مبرر لاستغلال الآخرين واستضعافهم.

وبذلك يجعل أطماعه أطماعًا مقدّسة يثيبه الله عليها، وتارة تجده يجعل من كل قيمة عظمى إلهًا يسحق به كل من يضاده ويعانده ويخالفه، وتارة تجده يرفع لواء القوة باعتبارها أصل طبيعة الحياة ليبرر لنفسه أفعاله، وتارة يعلن موت الإله والكفر بالأديان كلها حتى لا يجد قيدًا يقيد أطماعه وشروره، وهكذا تجده يتنقل بين المتناقضات ليجعلها كلها – وياللعجب- تتحد وتتشابه لتعطيه في النهاية مبررًا لفعل الشر وحصد اللذة وهو مستريح الضمير ساكن القلب.

وعلى هذا يمكنني أن أقول إن هناك قيودًا تكبل الإنسان في مسيرته نحو تحقيق إنسانيته، وهذه القيود تمنع الإنسان من تحقيق الهدف الأسمى الذي خُلِق من أجله، ألا وهو الحب، وهذه القيود إما قيود داخلية نفسية فردية، وإما قيود أخرى خارجية تُفْرَض على الإنسان وتعطله عن مسيرته نحو الحب، وهذه القيود هي:

١- قيود نفسية: وهي نوازع الشر المتأصلة في نفس الإنسان، والتي عليه أن يصارعها ويغالبها، فإن غلبته منعته من المسير نحو الحب، ولكن يبقى هناك أمل دائم في أن يستيقظ الإنسان من رقدته تلك ليستكمل مسيرته نحو هدفه الأسمى، وهذه القيود خفية تحتاج لجهد شاق كي يضع الإنسان يديه عليها، فضلًا عن أن يحل ألغازها ويتمكن من التغلب عليها لشدة خفائها وتماهيها وقدرتها على الظهور في شكل بريء يبرر للإنسان كل شر يرتكبه.

٢- قيود عقلية: فمنها قيود متعلقة بالاغترار بالعقل، حيث يسعى الإنسان للإجابة العقلية على ما يتخطى قيود العقل، ولانبهاره بالعقل يصل إلى إجابات خاطئة في الغالب، فهو قد استخدم الأداة الخاطئة للتعامل مع أمور لا تتعلق بهذه الأداة، ومنها قيود متعلقة بما يصيب العقل بالغيوم التي تشوش على قدراته وعلى وصوله للحقائق المجردة.

٣- قيود مادية: وهي الناتجة عن احتياجات الحياة المادية التي تفرض قيودًا على الإنسان تغرقه في دوامة يتناسى معها هدفه الأسمى، وقد زادت هذه القيود من شد قبضتها على رقبة الإنسان في عصرنا الحديث حيث تحولت المادة إلى دين يُعْبَد من دون الله، وأصبحت المادة هي المقياس الذي يحكم كل شيء حتى ما ظنناه يومًا لا يمكن أن يخضع لقيود المادة كالدين والحب.

4- قيود روحية: وهي الناجمة عن الانحيازات العمياء التي ترفع النصوص فوق المقصد والغاية، والتي تجعل من الأديان غاية في حد ذاتها، فتجعل الإنسان في خدمة الأديان بدلًا من أن تكون الأديان هي التي في خدمة الإنسان، وهي لن تكون في خدمته إلا إذا أرشدته نحو الغاية العظمى التي خُلِقَ من أجلها، وهي الحب.

لقد قدم الله للإنسان روحًا عاصرة تستطيع أن تعصر الأديان والأفكار والفلسفات كي تستخرج منها الحب، فأبى الإنسان إلا أن يلبي نداءات الجسد والعقل والنفس، فجعل من هذه النداءات أفكارًا بشرية متعارضة قدَّسها وألبسها لباس الدين كي يفعل ما يريد مستريح الضمير، وتناسى أن غايته هي الحب فألا اكتفينا بارتشاف العصير؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد