في سن الأربعين أنت الآن مختلف عما كنت عليه في السنوات السابقة، بدأت علامات الزمن تظهر على وجهك، تريد أن تخبرك بشيء، فتقول لك انتبه أنت في مرحلة جديدة الآن.

إذا كنت لا ترغب بأن تعترف بالحدث الجديد وتحاول أن تخفي العلامات الظاهرة، وكأنها جريمةٌ مروعةٌ حلت بك فتسارع بإخفاء الشعر الأبيض بالأصباغ الملونة، ووضع مساحيق التجميل باهظة الثمن لتخفف وطأة التجاعيد والخطوط المترهلة في وجهك، وتسابق النساء والرجال هرولة إلى مراكز التجميل لوخز إبر النضارة والشباب مستبدلين ملامحهم القديمة بأخرى جديدة، وقضاء ساعات طويلة في النوادي الرياضية لشد ونحت وبناء عضلات الجسم المتناسقة، وآخرون أكثر تطرفًا يغيرون أنوفهم ويحقنون أجسادهم بالدهون أو شفط جزء منها! ومع كل هذا الجهد المبذول ستجد شابًا أو شابهً في منتصف العشرينيات في السوق أو في الأماكن العامة يناديك يا عم أو يا خالة احترامًا لسنك الظاهر.

وهذا يذكرني بمقال الكاتبة باميلا داركيين تقول: إذا كنت تريد أن تعرف كم يبدو عمرك، فما عليك سوى الذهاب الى أحد المقاهي الفرنسية؛ فعندما بلغت الأربعين من عمري أصبح الندلاء عند دخولي إلى المقهى يرحبون بي بقولهم: «صباح الخير يا مدام »، وعند دفع الفاتورة يقولون:«شكرًا لك يا مدام». فتتساءل ساخرة إن كانوا الندلاء يجتمعون في فترة الغداء ويعرضون أوجه النساء لتحديد أيهن ما زال يناسبها لقب آنسة، ومن تقدمت في العمر فلا يمكن إلا إن تكون مدام.

أما أنا فأعرف «عمري المجتمعي» إذا صح التعبير عند ذهابي إلى سوق الخضار (الحسبة) لتبضع الخضار، فيقع على مسمعي صوت بائع الخضار كالصاعقة، وهو مبتسم تفضلي يا حجة، وفي هذه اللحظة دون تفكير أتركه وهو يتحدث وأمضي، عقابًا له على ما قال فعلى المرجح هنا لم يقصد أنني قمت بأداء فريضة الحج في مكة المكرمة! المشكلة الحقيقية لا تقف عند التغير في الشكل الظاهر لنا في سن الأربعين، ولكن في الصراع الدائم مع نفسك وعدم رضاك عما أنجزته في حياتك في السنوات التي مضت.

فعند البعض تعد هذه المرحلة مرحلة حساسة في حياتهم تسبب لهم أزمة نفسية تدعى بأزمة منتصف العمر. والبعض الآخر لا يقف عندها، ويؤكد بأن العمر هو رقم فقط لا يعني شيئًا.

ومن أجل أن تمر هذه الأزمة بسلام ولتكمل مشوارك المقدر والمحتوم أيها الأربعيني، سنضع بعض القواعد التي نأمل أن تساعدك على الانسجام في هذه المرحلة الجديدة، وأن تكون سعيدًا بها.

القاعدة الأولى

يمكن البداية من جديد.. ما زالت الفرصة متاحة.

بعض النساء والرجال تظهر لديهم الشجاعة المفاجئة في اتخاذ القرارات، يريدون تغيير واقعهم بلحظة واحدة ويعتقدون بأنهم قدموا التضحيات بما فيه الكفاية وهم يستحقون الأفضل، ولكن للأسف الأغلب يحاول اتخاذ القرار بالهروب من الواقع وعدم المواجهة، إما بطلب الطلاق أو بداية علاقات جديدة تؤثر سلبًا في استقرار العائلة.

كما أكد جاسم المطوع بعد طرحة سؤال عن مشكلات سن الأربعين في مجتمعاتنا فأخرج مقالة بعنوان «الرجال تعدد والنساء تحرر في سن الأربعين» يؤكد بأن معظم الأشخاص عند بلوغهم سن الأربعين تبدأ علامات الاستفهام والأسئلة عن حياتهم الحالية في جوانبها المختلفة، مثل؛ كيف وصلت إلى هذه السن بهذه السرعة؟ هل أنا سعيد في حياتي؟ والكثير من الأسئلة الوجدانية.

في سن الأربعين أنت نتاج ما كنت تفكر وتقوم به في العشرينيات والثلاثينيات من عمرك، إما أن تكون راضيًا أو تشعر بالإحباط لأنك لم تحقق أحلامك أو جزءًا منها، وتنظر إلى طموحك بأنه بات مستحيلًا لا يمكن تحقيقه، عند شعورك بالعجز هنا، ما عليك إلا أن تجدد إيمانك بنفسك، هذه الطريقة الوحيدة للخلاص من جحيم الإحباط والفشل فأنت الفارس المنتظر.

افتح صفحة جديدة وانظر إلى نافذة الزمن باحثًا عن ذلك الطفل الذي بداخلك، كن ودودًا واصغ جيدًا إلى ما كان يريد، هل كان يحب الرسم؟ مثلا ؛ ولم يجد فرصة لتعلمه، تعلم الان الرسم وتعرف على مواهبك المدفونة.

قم بإعادة ترتيب أوراق من جديد فخبرتك الآن تخولك بأن تكون حكيمًا وأن تمضي بالطريق الصحيح دون أن يوقفك أحد.

فإن لم تستطع ترتيب أفكارك وأدركت ذلك، فأنت تسير بالطريق الصحيح، فالاعتراف بالمشكلة نصف الحل، أنت بحاجة إلى المساعدة اطلب المساعدة من المختصين والمرشدين وأصحاب الخبرة لمساعدتك فالأمر يستحق المحاولة.

وتذكر بأن نبينا محمد حمل الرسالة في سن الأربعين، وكثيرًا من المؤثرين قاموا بتغير العالم بسن الأربعين.

القاعدة الثانية

جمال روحك في الأربعين يزداد رونقًا وبهاءً.

في الأربعين هناك أمور لا يمكن لزمن أن يؤثر سلبًا فيها بل العكس صحيح، تقدم الزمن يجعلها أكثر جاذبية وحلاوة، ومن هذه الأمور نقاء قلبك. فخبرتك وتجاربك السابقة تجعلك مدركًا ومتفهمًا لمشاعرك، وأفعالك، ومسيطرًا على انفعالاتك. فعندما يلامس قلبك النقي القلوب الحاقدة والكارهة لك، فالخِيار لك إما أن تقع في مستنقع الحاقدين وتعامل بالمثل، وإما أن تضع حاجزًا قويًّا أساسه مبني على إيمانك بأخلاقك ومبادئك الطيبة. وتقف بعيدًا لحماية قلبك النقي لا يمسه خدش كالفارس الشجاع.

أما في حالة وهنك ووقوعك أنت في فخ الكراهية والحقد على أحد ما، فصفاء قلبك يأمرك بأن تترجل وتقف باحثًا ومنقبًا في قلبك عن الشوائب والضغينة لتخلص منها، حتى لا يبقى لها أثر في نفسك فتصبح الكراهية خلية راكدة لا تصحوا إلا إذا لذغة مرة أخرى.

القاعدة الثالثة

إياك أن تتوقف عن البكاء أمام نفسك

وتتظاهر بالقوة وتمنع نفسك من البكاء، وتصل لدرجةٍ لا تستطيع البكاء فيها، هنا حاول أن تتصنع البكاء حتى لو بدت دموعك كدموع التماسيح عند التهامها فريستها، فالبكاء منفس لك وطريقة تعبيرٍ عما يدور في نفسك تخبرك أنك ما زلت حيًّا ترزق.

القاعدة الرابعة

تصرف كأنك أربعين..

فأنت تحصل على مميزات جديدة الآن، ففي حوارك مع من هم أصغر سنًّا منك تجد أن أفكارك ومشاعرك ناضجة في حين أنهم لم يجدوا المرسى بعد. كن فخورًا بنفسك، استمتع بالألقاب الجديدة يا عم ويا خالة هو احترام لك فأنت تحصل على مميزات جديدة.

النساء تجد الراحة في التعامل مع الجنس الآخر، أصبحت الآن في مقام الأم أو الخالة؛ مما يجعلها تتصرف على سجيتها في الأماكن العامة والأسواق، دون لفت الانتباه لها مما يشعرها بالراحة والثقة وخصوصًا في مجتمعاتنا المحافظة.

انتبه لمشيك وكلامك وطريقة أكلك لأنك الآن المثل الأعلى لمن هم أصغر سنًّا منك من الأبناء والأحفاد، راقب سلوكك دائمًا فإن لم تفعل ذلك وتصر على أن تتصرف باطار الأعوام التي سبقت ومضت، ستظهر بمنظرٍ سخيف مثل عروسة المولد المصفوفة على الرفوف فهي لا تكبر أبدًا جامدة لا تتغير.

القاعدة الخامسة

لا تتوقف عن التعلم

تعلم من أجل أن تتعلم ليس بهدف الترقية أو المنصب الجديد، بل لتكتشف أشياء جديدة مثيرة وملهمة لك.

هل تعلم أن سن الأربعين يأتي بغتة وبشكل مفاجئ لا تتوقعه فيكون بعيدًا عن حساباتك.

حينما تكون مندمجًا في أعمالك اليومية وتركض من أجل تحقيق أحلامك، وتجد نفسك في سباق مع الزمن هنا لا بد أن تتوقف لتتزود بالطاقة من أجل إكمال رحلتك بمفاهيم وقواعد جديدة تناسبك وتناسب وضعك الجديد فالعلم والمعرفة يشحن طاقتك ويزودك بأفكار نيرة ومثمرة.

القاعدة السادسة

اشكر الله على وصولك لسن الأربعين

قال الله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأحقاف: 15).

معنى الآية الكريمة أن سن الأربعين هو سن اكتمال البنية العقلية والجسمية، فذلك أحرى أن نشكر نعمة الله علينا، وبذل العمر في الطاعة لنيل رضاه في الدنيا والآخرة، لتصل إلى الانسجام والراحة في جسدك وروحك فيما تبقى لك من عمر.

القاعدة السابعة والأخيرة

أضف ما تريد من القواعد التي تناسبك للتعايش مع هذه المرحلة الجديدة كن مبادرًا ومتجددًا، تقبلها ومهد الطريق لعشقها، فرفضها يجعلك هشًّا ضعيفًا أمام نفسك والآخرين، ورضاك يزيدك قوة وثباتًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد