العودة إلى المدرسة ، شبح يخاف قدومه الأهل، مع رغبتهم فيه، تماماً كما يخافه أبناؤهم، فبعد أيام العطلة الصيفية، وأجواء الحرية في النوم وقضاء الوقت كما يريد الطفل، سيعود إلى الانضباط والالتزام بوقت محدد للنوم والاستيقاظ، والتزام كامل بأداء الواجبات المدرسية، وهذا التغيير الجذري في الروتين اليومي، يقابل بتململ كبير من الأطفال.

 

ويعتقد الكثيرون أنَّ الإعداد لبدء عام دراسي جديد، يحتاج إلى شراء حقيبة جديدة، وتوفير احتياجات الطفل المدرسيّة، ولكن الحقيقة غير ذلك تماماً، فالطفل بحاجة إلى إعداد نفسي ومعنوي، وبحاجة إلى المساعدة في التغلب على مخاوفه وعاداته السلبية التي اكتسبها خلال العطلة بفن وهدوء قبل احتياجه إلى التجهيزات المادية، حتى يحسَّ أنَّ العودة للمدرسة متعة ومغامرة جديدة، تبدأ فصول جديدة منها كل عام، لا شبحاً يتربص به وينتظر الخلاص منه في نهاية العام الدراسي.

 

وهنا يبرز دور الأهل المهم جداً في إعداد الطفل، قبل بدء العام الدراسي، وخلال أيام الدراسة، حتى لا تشكل أيام المدرسة عبء يرهق كاهل الأهل والطفل معاً، ويتسبب في المشاكل بينهم، ويمكن ذلك من خلال عدّة خطوات تساعدهم، وهي:

 

1- الاستعداد:

نهاية العطلة الصيفية، تعني تقييداً ونظاماً يطال كل حياة الطفل، وأهمها موعد النوم، وابتعاده عن الألعاب الالكترونية التي ترافق غالبية أطفال اليوم خلال عطلتهم، وهذا كله لا يمكن أن يبدأ قبل ليلة واحدة من بدء المدرسة، حتى لا يسبب الأمر توتراً للطفل، يجب البدء بالتدريج بتنظيم جدول لنوم الطفل تبعاً لعمره، ومكافأته على الالتزام به، حتى يصل لموعد بدء الدراسة وقد انتظم نومه، أيضاً تحديد وقت لمشاهدة التلفاز أو الألعاب الالكترونية، لمدة لا تتجاوز ساعتين في اليوم، ستخفف من توتر الطفل ومن تعلقه بها، والأهم جعل الساعة التي تسبق النوم ساعة للاسترخاء والقراءة والحديث الهادئ، حتى يكون الطفل جاهزاً للنوم بدون توتر.

 

2- حاربوا القلق بالتسوّق:

مع بداية عام دراسي جديد، تنتاب الطفل المخاوف تجاه التحديات التي سيواجهها خلال دراسته، وتعد الأيام الأولى الأكثر قلقاً وتوتراً، حتى يعتاد مرة ثانية على الأجواء المدرسيّة، ويعد التسوّق مخرج نفسي رائع للأطفال يعزز من احساسهم بأنهم جاهزين للبدء بالدراسة، اصطحاب الأطفال لشراء اللوازم المدرسية من حقيبة وكتب ودفاتر وألوان، والبحث عن العروض المغرية، وجعل  الطفل يختار ما يناسبه منها، سيخفف من قلقه، وسيعدّه نفسياً لاستقبال عودة المدرسة بشوق، ليبدأ باستخدام أدواته التي اعتنى باختيارها بدقة، ويستعرض مهاراته في التسوق على أصدقائه.

 

3- الحب بدل الصراخ:

يعتبر الكثير من الأطفال، أنَّ الاستيقاظ المبكر خلال أيام الدراسة، بمثابة عقوبة يومية، تجعلهم يتفنون في التملّص منها، وهذا ليس لأنهم يكرهون المدرسة، بل إن مشكلة الأغلبية منهم تكمن في الطريقة التي يتم إيقاظهم بها، فالطفل بحاجة لأنَّ يصحو قبل موعد مدرسته بساعة على الأقل، حتى يتاح له الوقت الكافِ ليكون جاهزاً، دون ضغط نفسي من أهله، وتهديداتهم بأنَّ موعد باص المدرسة قد يفوته، كما أنَّكم بحاجة إلى الكثير من التشجيع والإيجابية، للتعامل مع البطء الذي يمارسه الأطفال بشكل مقصود لاستفزاز أهلهم، ومع هدايا تشجيعية من وقت لآخر، تقديراً لسرعته وتحمّله المسئولية، وكلمات رقيقة هو بحاجة ماسّة لها فور استيقاظه، سيتحول وقت الاستيقاظ من ساعة مليئة بالمشاكل والصراخ، إلى وقت ممتع يستطيع الطفل بدء يومه الدراسي به.

 

4- التجربة أساس الفهم:

كثير من الأطفال لا يعتبرون أنَّ ما يدرسونه ذو فائدة، ولا يعلمون كيفية تطبيقه في حياتهم اليومية، ولكن عندما يقطع طالب في  الصف الأول فطيرة مع والدته، إلى نصفين ثم إلى أرباع، سيكون تعّلم القسمة تجربة مثيرة بالنسبة له، أيضاً ركنٌ يضع الطفل فيه بعض المنتجات للبيع، ستزيد من مهارته في العمليات الحسابية، وزراعة بعض البذور ومراقبتها بينما تنمو ستجعل من فهم الطفل لأجزاء النباتات، ومراحل نموها أكثر تشويقاً من دراستها في الكتاب فقط، هذه النشاطات وغيرها تزيد من حب الأطفال للتعلّم، ورغبتهم في الذهاب للمدرسة، لعرض تجاربهم على زملائهم.

 

5- التشجيع بدل التأنيب:

دراسات كثيرة عزت كره الطفل الذهاب إلى المدرسة، إلى التعنيف الذي يتعرض له من أهله في حال تأخره عن موعده، أو حصل على درجات أقل من المتوقع، وهذا الضغط النفسي المستمر، يودي بالطفل إلى التدهور دراسياً ونفسياً، وستتحول المدرسة بنظره إلى ساحرة شريرة تلاحقه كيفما تحرك، وتعكر عليه صفو حياته، فكل مشاكله مع أهله، وكل الكلمات المهينة التي يسمعها والعقوبات، يعود سببها إلى مستواه المدرسي، وهذا مع الوقت سيجعله لا يعبأ للمدرسة، ويعتبرها سبباً لتعاسته، ولكن إن استبدل نظام العقوبات والتأنيب، بربط التميّز بالمكافآت التي تزداد قيمتها، كلما ازداد تحسن أداء الطفل، وبكلمات الفخر والفرح بالإنجازات حتى ولو كانت بسيطة، سيكون الأمر بمثابة تحدي مرتبط بمشاعر إيجابية وتوق للنجاح، يحاول أن يثبت الطفل نفسه فيه في كل امتحان.

 

6- عالجوا أسباب الخوف:

يعاني بعض الأطفال خوفاً من المدرسة، فتنتابه نوبات البكاء، أو يعاني من أعراض مرضية، أو يقضي ليلة مليئة بالكوابيس، وهذا كله للتملص من الذهاب للمدرسة، ومن الملفت أنَّ كل الأعراض تختفي أيام العطل، وهذا لا يعني أنَّ الطفل فاشل دراسياً، ولكنه قد يكون مصاباً برهاب المدرسة، أو أنه متعلق بوالديه لدرجة تجعله يخاف الابتعاد عنهما، أو أنه لا يستطيع تكوين صداقات، فيحس نفسه وحيداً في صفه، أو لا يحب معلمته، الأسباب كثيرة ويجب البحث عن السبب، وأخذه بعين الاعتبار، فإهماله قد يشكل عائقاً نفسياً بين الطفل والمدرسة، إن استمر قد يدفع الطفل ثمنه فشلاً في دراسته، وكثير من الأطفال تخلصوا من خوفهم عندما أدرك أهلهم أسباب رفضهم الذهاب للمدرسة.

 

7- انتقوا المدرسة بعناية:

المدرسة ليست مكاناً للتعلم وحسب، هي المكان الذي يقضي فيه الطفل معظم ساعات يومه، وفيها يمارس نشاطاته الاجتماعية، ويكون مفاهيمه الأولية، وهي المكان الذي يملأ فراغ الطفل، لذلك من المهم جداً أن تنتقوا مدارس أبنائكم بعناية، وتكونوا على تواصل دائم مع المعلمين والإدارة، لمتابعة نشاطاتها والتغيرات التي تطرأ على أطفالكم، والتواصل مع الطفل عند عودته للمنزل، والحديث معه عن يومه المدرسي وتطوراته، وعما يحبه ويكرهه في مدرسته، ومتابعة اجتماعات أولياء الأمور، هذا يجعلكم على دراية كافية، بما يدور في المدرسة بعيداً عن أعينكم، ويمكنكم من وضع تقييم للمدرسة، ويجعل معالجة أي مشكلة طارئة سهلة.

 

وأخيراً الإعداد للمدرسة لن يتم بين يوم وليلة، ونتائج العطلة الصيفية، والمسئولية التي تعلّم تحملها الطفل خلالها، والخبرات التي اكتسبها، والنشاطات التي مارسها، ستنعكس آثارها سلباً أو إيجاباً على أدائه المدرسي، وعلى ثقته بنفسه، وقدرته على التفوّق والنجاح.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد