«يصف بعض الأعاجم ما يحبونه من أشياء وعادات، وما لا يملّون سماعه أو مشاهدته، يصفونه بقولهم «That never gets old».

قهوة الصباح – مثلًا – ممتعة دومًا، ولن تصبح «عادية» أبدًا، يأبى كل فنجان من القهوة إلا أن يكون متفردًا، أن يكون مميزًا ولا شبيه له، وكأن لكل فنجان منهم شفرة جينية خاصة به، يتشاركون جميعًا في أنهم «فناجين قهوة» لكن لكل واحد منهم «شخصية» إن جاز التعبير!

والقهوة تشبه الحب في أوجه عدة، كل الناس يتغنى بحب القهوة، حتي وإن كان لا يعرف منها إلا «حساء القهوة» الذي يتجرعه في مقهى محلي بغير انتظام، وكلهم يظن نفسه عاشقًا وربما ما ذاق العشق وما عرف، هو (أو هي!) لا يدري إن كان يحب من الأساس لكن الفكرة – فكرة أنه ذو صبابة ووجد – مثيرة للغاية.

والقهوة تشبه الحب في أن أكثر تصورات الناس عن كليهما خاطئ! فالاسم مثلًا «قهوة» ورد في لسان العرب (معجم) بمعني الخمر، وإن كان قد ورد في حديث المعاجم كـ«الرائد» بمعني «شراب البن المغلي». والناس يسمون التعلق حبًا، ويدعون الهشاشة النفسية والاحتياج شوقًا ووجدًا. القهوة تعينك على السهاد، بينما يجبرك الحب عليه إجبارًا.

حين تولد القهوة فإنها تكون خضراء بهيّة، تموج بالحياة، ولو رأيتها إذ تغفو في سلام بين أخواتها، لا تدري بأنها ستُقطف قريبًا، لا تدري بأنهم سيلقونها في شمس حارقة لأيام طويلة، سيجففون قشرتها ثم تُجمع البذور ثم تُرسل بعيدًا، بعيدًا جدًا، ستوضع في أجولة ثم تسافر آلاف الأميال مع بذورِ أخري لا تعرفها، تراهُنّ للمرة الأولى، ستصادق إحداهن، ثم تفرقهما آلة ما في مصنع لا تعرف اسمه، حقًا إن في الغفلة نعيمًا!

كذا الحب، حين يولد في قلبك، تري الدنيا بهيّة مشرقة، وتعجب من نفسك، كم كنتَ مغفلًا إذ غابت عنك كل تلك السعادة، تشعر بالحياة في داخلك ترقص علي إيقاع نبض قلبك، تشعر بالثقة، بالقوة، بأنك ستحرك الجبال إن أردت، ينتابك شعور غير مبرر بالفرح، بأنك تود لو تعانق كل شيء.

وأول رشفة من قهوتك الصباحية تشبه التحليق كثيرًا، يسمو بك الطعم فوق السحاب، هل حلقت يومًا؟ لا أتحدث عن ركوب الطائرة، وإنما تحليق الطيور، لا؟ حسنًا إليك خبران، الجيد أنك ستحلق إن وقعت في الحب، الخبر السيئ هو أن ألم السقوط يتناسب طرديًا مع ارتفاع تحليقك، حاول التحليق على علو منخفض!

حال لونها إلى البني الآن، ما عادت خضراء، ذهب رونقها، لكن ،أحقًا ذهب؟ يبدو الجميع بنيًا الآن، لا بأس، لا زالت تحتفظ بما يميزها، لا زالت بذرة قهوة وإن تغير لونها، وإن تغربت عن موطنها البعيد، وإن فارقت من تحب ومن تعرف، لا تزال بذرة قهوة، لا تزال عريقة وإن تبدل مظهرها.

كذ الحب، يعتّقه الزمن وإن غيّر قشرته، ما عاد الحب كلمات رقيقة، ما عاد زهورًا وهدايا وإنما أصبح لمسة حانية، أصبح تفاهمًا بغير كلام، أصبح إيثارًا وتفضيلًا، صار ناضجًا الآن.

تُطحن القهوة وتغلى على حرارة عالية، ليصنع منها ذلك الطعم الذي تعرف، وتلك الرائحة التي تحب ، ولا يختلف الحب عن القهوة هنا أيضًا، الحب أيضًا يمر بأزمات ومنعطفات حادة، يمر بحرارة تزيد المحبين امتزاجًا، وتنقيهما من الشوائب، ليست كل النيران سيئة.

لا يحب البعض القهوة إلا مختلطة بطحين بعض التوابل، كالقرنفل والزنجبيل وزر الورد وغيرها، وبعضهم يفضلها بالحليب، بينما يحب البعض أن تكون قهوته «سادة»، فقط قهوة وماء، كذا الحب، قد يكون مضافًا إليه حب الاثنين للقراءة مثلًا، وربما لديهما بعض الاهتمامات المشتركة، لكن بعض الحب بلا إضافات، حب مجرد.

قد تكون القهوة تركية أو عربية أو حتى أمريكية الصنع، لكن جوهرها واحد، الأصل ثابت وإن اختلفت صوره وأشكاله، قد تعجبك القهوة التركية وأنت عربي الأب والجدود، وقد تغرم بالقهوة الأمريكية وما وطئت قدماك أرض الأحلام تلك أبدًا، وبالمثل، قد تقع في حب جزائرية قابلتها في مؤتمرٍ ما، أو فلسطينية عرّفك عليها صديق، قد تأسرك ألمانية أو كورية أو هندية، الحب لا يأبه كثيرًا بلون جواز السفر!

القهوة تشبه الحب إذًا، والصباحات العظيمة هي التي تبدأ بقهوة جيدة، وابتسامة من تحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تأمل, حب, قهوة
عرض التعليقات
تحميل المزيد