«ماذا يعني الحب يا والدي؟» لفظت سؤالها العابر بعدما تعسر على والدها تذكر أقصوصة يطبق بها جفون نعاسها، تناست تمامًا أنه يدس بجعبته الكثير يجيب بها على هكذا سؤال .

ماذا يعني الحب؟! أما زلت تتساءلين؟ بماذا أفنيتْ ثمانية عشر عامًا انصرمت يا بُنيتي؟ أم أنك فقط تغري سلطة والدك الهرم بحديثٍ مطول؟

لا يهم، لنتساير.

إن الأرض وسيعة على الإنسان كـ«دابة» وحيدة هجرت عشيرتها ذوات الأربع لتكتفي بساقين فقط تخطو بهما حيثما انبسطت اليابسة، لكن ما انفك الضباب يكتنفه من كل جنباته وإن هذا لمرعب حقـًا، فإن اطمئنٙ لتخمه لن يستكين سوى برهات يتبعها لاهثـًا يرنو الانتماء والأمان، أفلا أدلك على طيفهما الأخاذ يا بُنيتي؟ بلى، إنه العشق ولا تومِئي برأسك وكأنه تعرٙى حيالك الآن دلالة خطابي الأعثر، بل لتسع آذانك تكدس همساتي بهما .

ربما طالعتي يومًا حاجة الإنسان الماسة للانتماء التي تستقر ثالثـًا بهرم الحاجات الشهير، انتماء الإنسان لجماعة لهو بمثابة تربة خصبة يزهر بها زهرة هويته وتتبرعم بإبطها ثقته بذاته.

وكما سبٙقتُ بالذكر أن الحب لهو انتماء بأزهى ألوانه وأكثرها أناقة على الإطلاق، إنه امتزاج لا يكدره انفصام بعدها أبدًا، انخلاط لا يتملص منه بلحظات الفشل والضعف، انتماء رائق بفعل الاختيار الحر تنزوي به شوائب أي منافسة، فيطهر ما بك من غِيّٙة في الامتلاك.

إياكِ أن تقايضي سمو الحب بمالٍ أو مظهر يا بُنيتي، فهو سمو ملائكي لا سد حاجة محضة، وإن عشقتي لافتقار أو وحدة أو ضعف تيقني أن ذاك انحدار سبيلك المرتطم لا محالة، وحينها لا تلومن إلا ذاتك ولا مشقة إلا عليك، الحاجة تُكبٍل الذات وأنتِ حرة، لطالما حييتي حرة يا صوفيا .

العشق هيمان روح انشطر محورها نصفين متماثلين تمامًا، فلا يمتلك شطر منهما كبرياء إزاء شريكه، إن أطرق عِلوّ الشيطان هواجسك فانفضيه قبل أن يلتمس سبيلاً حيثما يرقد حبك فيردِه هامدًا.

العشق لهو التماس الرب بذاتٍ بشرية كما ادعى فيكتور هوجو، فاستحي من ضياع الإيمان بها. استحي أن تُسألي يومًا عن كُفرِك فتنجرف دفاعاتك خائرة على سفح الفقر أو تنائي المسافات أو محاصرة الأهل وقسوة العادات والتقاليد، أفتن خيالات الحب تتوارى بعثراته وإن أصاب الاستحالة لهو دفقة من ألذ أنهار الجنان أو كما أجاب ماركيز «إن الحب هو أن تحب بأي مكان وزمان وإنه ليكون أكثر زخمًا كلما اقترب من الموت».

بالماضي راود أفلاطون طيف وطن يعتليه الفلاسفة محاجًا ذلك بأن السلطة تقتضي الحكمة، فإن سكين السلطة بيد الجاهل طيش ورعونة فما يدريك علّه يلوح بها في أوجه الناس أما بيد الفاسد إنها لحماقة لن يتوانى بحد حافتها على رقابهم، فإيمانًا مني أيضًا بسلطان الحب بوطن رسمته أنا، لما عليّ أن أسوغ فيه الحب للعوام يتهاونون بابتذاله ويلوثون رمقة الكثيرين حياله؟ لطالما اعتقدت كذلك أن الكل يمكنه أن يُحب أي يقبل الحب أما النادر بل العزيز فقط يمكنه أن يُحِب أي يبذل ذاته أبد الدهر بمآل الحب.

لأجل كل ذلك، ألا حري بي كحاكم قاسط أن ألِين بسكين الحب على رقاب العاشقين وأزهده بين لهو المغفلين؟

لن أمل من ترديدها أن إياك وعهر الروح، إنها تلك المعصية المؤبدة التي لن تبارحك مضجعك ولن ترضخ لتوبة أو لعفة بتاتـًا، استكانة الروح والجثمان بأن واحد تكن فقط حين يطأ الموت مهجعك ولكن فيما عدا ذلك، إن تلاقِيهما لهو معجزة، حقـًا معجزة، لذا عليك باستكانة روحك ولا تبالي بما هو فانٍ، فمن يدري ما قد يبت خيط الواقع إثر ذلك، ربما تصيرين أنت المعجزة يا صغيرتي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحب, قصة, نصائح
عرض التعليقات
تحميل المزيد