كغيم بلا مطر، هكذا أصبحت قلوبنا عاجزةً عن منح عصارة الحب لأحبائنا، عزفنا لحن النوم بداخل الحياة، وقلنا للموت قل فينا شعرًا.

تنهد، وقال: يا سحر الجفون أنت مجنون، تركت صفحات الحياة وبحثت عني بين السطور، أنتم تقنعونني كل يوم أنني شخص عظيم، ورفيقتي ما هي إلا قصيدة علمت عمدًا بالنهاية علمت عمدًا بالحزن علمت عمدًا بي.

في الرسالة وجدت:

«أردت فقط أن أطمئن عليك وأن أعانقك بشدة لعلي أجبر كسرك. أعلم أنك لست بأفضل حال، لكن شيء يمنعني من الحديث معك، والله أحاول قدر الإمكان أن أتمالك نفسي وأن أجاهدها، حتى لا أقول إنني اشتقت لك، لا أريد أن أغضب الله أكثر مما فعلت سابقًا، ولهذا فأنا أدعي لك في كل ركعة.

أترى كل هذا التناقض؟ جزء مني يحلم بك كل ليلة، وجزء يدعي لك في كل الصلاة، حفظك الله ملاكي».

أغلقت الرسالة وتنهدت مثل الموت.

في يدي تفاحة لذيذة، وفي اليد الأخرى لعنة الشجرة التي قطفت منها، لعنة الأرض تلحقني في كل مسير باتجاهها، ولعنة السماء تمنعني من التحليق لها، ما باليد حيلة، سننام فقط حتى يأتي الفرج، مع أنني أراه بعيدًا.

في الغرفة سرير لشخص واحد، أبعاد لا تحوي أكثر من نبض بداخلها، نافذة بستائر حزينة تذرف دمعًا مع كل إشراقة شمس، أرواح متطايرة بجوار السقف عارية من كل شيء بما في ذلك الحب، فوق الخزانة منبه إلكتروني انتهت بطاريته، وعلى الجدار ساعة عتيقة أرى رقاصاتها تترنح، وأسمع دقاتها تصرخ، لكنني إن ركزت فيها أجدها جامدة لا تتحرك، على اختلاف الجدار الذي شعرت به يتعرق من هول الساعة.

كأنني أستمع لياسمين حمدان وهي تغني لبيروت بتلك النبرة الحزينة، تتغزل بسكانها وشوارعها وسمائها، أستمع لها حتى أثمل وأصبح غير قادر على التفريق بين حبيبتي وبيروت، عين واحدة، شفاه واحدة، وسماء واحدة، والقبلة أسرقها من حبيبتي على أرض بيروت.

في حقيبتها كانت دائمًا ما تحمل عقار أبوتوكسين القاتل، الذي حول سينشي لكونان في السلسة الشهيرة للمحقق كونان، كانت جريئة أكثر مني لأنها كان باستطاعتها في أي لحظة قتل الحزن نهائيًّا وللأبد، وحينها لن أكون أكثر من مخلف لعلاقة انتهت قبل أن تبدأ.

البارحة انتقلت إلى مكان لم أستطع التمييز منه غير السماء التي كانت حمراء غاضبة، تخيل لي أنها سترمينا بلهبها الحارق، في مكان يشبه التلة رأيتها عارية وتفاصيلها ظاهرة، لكن لا يمكن أن ترى غير وجهها الموجه للسماء، وراحة يديها مفتوحتان مثل الكتاب، تتمتم بكثير العبارات، جفونها ساكنة لا تتحرك، لم أستطع الذهاب باتجاهها فقد كنت كلما أحاول التحرك أضرب في وهم، وكأنني محتجز في سجن افتراضي لا يظهر منه شيء.

في تلك الأثناء رسم على التفاحة ابتسامة مخيفة، كان صوتها مثل صوتي عندما أسخر من الحياة.

عدت إلى الغرفة بعدما كنت فيما يشبه التلة، تفاجأت من تغير ديكور الغرفة، أضيف كرسي خشبي هزاز، ومهد صغير ظريف، أصبح السرير يتسع لاثنين، عادت الحياة لساعة الجدار، واختفى المنبه من على الخزانة، الجدار طلي بأزرق سماوي هادئ يؤنس النفس، لكنني كنت وحيدًا، وأنا من أصبح يتعرق هذه المرة بدل الجدار.

فتحت يدي ووجدت عقار الأبوتوكسين بداخلها، تناولت جرعة منه، شعرت وكأنني دخلت لآلة سفرٍ عبر الزمن، انتقلت لما يشبه التلة، ووجدتها هناك على خلاف المرة السابقة، كانت سعيدة وجسدها مغضى بالياسمين، لم يكن هنالك سجن افتراضي، لكن هذه المرة أنا من لم يتحرك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جمال, حب, سحر, عاطفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد