عندما نتصفح وجه التاريخ، وندقق في السياسات التي اختنق من زيف الكثير منها، نستطيع ولو بالقليل تشخيص الأوراق الحافلة بالتضاد والتناقض في السياسات المتبعة سابقا، فعندما نقرأ بعين المتطلع الحذق، والمتمعن في أحداثه الموزعة على صفحاته المنهكة، نجد كل السابقين قد آمنوا بما فعلوا، متخذين الإصلاح ورسم الابتسامة على شفاه الشعوب، طريقا في البقاء على كرسي الحكم.

المصلح فعلا والقاتل ظلما، من وجهة نظرنا، نجده ينادي بحرية الأوطان والأديان، ومحاربة الأذرع المتطاولة على استحقاقات الشعوب، وهنا يتبادر السؤال العفوي: إذا كان كل الساسة قد اتخذوا الطرق السليمة في الوصول إلى السلطة، إذًا من الذي يصنع الظلم ويظلم؟ ومن الذي يقتل بدم بارد؟ ومن الذي يسرق أموال الأبرياء؟ وعند الإجابة على تلك الأسئلة وغيرها نقول: إن كل الأجوبة تتعلق بالطرق السياسية المتبعة حينها، فهي التي تفرض ما تريد.

نعم فالسياسة التي يتبعها الأمريكان مع بعض دول الخليج العربي هي سياسة حب، كما هي السياسة التي يسير عليها الصهاينة تجاه الكثير من الدول الإسلامية! بالرغم من الفوارق الكبيرة بين حضارات المتحابين، وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال آخر: وهل في السياسة حب فعلا؟ الجواب نعم، هو الحب المشروط بالمصالح، ولا يُستغرب في السياسة أن يأتي هذا الحب مع ألد الأعداء، كذلك فإن السياسة هي نفسها التي تقود إلى سياسة الحرب، حتى وإن كانت الحرب مع حبيب الأمس، فسياسة أمريكا مع إيران مثلا، هي سياسة حرب، وكذلك مع سوريا واليمن، وهي الحرب المبنية على المصالح الكبيرة الممهدة لسياسة الدول الكبرى والمخطط لها لسنوات قادمة عديدة.

حتى إن الحرب أحيانا تكون مع من ليس لك معه عداء، إلا لأنه عدو لجهة تمنحك الارتقاء في الاقتصاد أو غيره، وقد تكون هذه الحرب بالنيابة، أو إدارتها من خلف الكواليس، عندما تُلبس عصابة ما، ثوب الإرهاب والانحراف، والتصدي لعقيدة منحرفة، كوجود داعش في يومنا هذا، وعدم تبنيه من قبل أية دولة في العالم، بالرغم من دعمه اللامتناهي من المعدات العسكرية والأموال الطائلة، التي لا يستطيع أي تنظيم فتي الحصول عليها بذاته.

وقد نرى هذا الحب والحرب، حتى داخل الدولة الواحدة، وخاصة متعددة الأحزاب منها، الحب والحرب في السياسة الدولية عامة، تلوح معالمه في الأفق أثناء الاصطفافات الانتخابية، بناء على الفترة التي سبقت الانتخابات، وكل حزب يبحث عن مصالحه في كواليس الأحزاب والتيارات الأخرى، فعندما يجد في ذلك الحزب أو التيار لمحة أمل في الفائدة المرجوة، يصبح حبيبا مقربا بغض النظر عن سلبياته إن وجدت، ويبتعد عن أقربها عندما يجد في التحالف معهم فقدانًا لأصوات الناخبين، فقد يتحد حزب فيه أشخاص مفسدون، مع آخر له مكانته وصوته الإصلاحي الواضح، فعندها تكون الكرة في مرمى الناخب، فهل ينتخب المصلِح المتحد مع المفسد، أم يترك الاثنين معا، كذلك هو الحال في داخل الحزب الواحد ربما، فإن روح الحب والحرب لها حضور مميز، فعلاقة قادة التشكيل بتنظيماته، علاقة ترتكز على ما يقدمه المنتمي من نشاطات تخدم المشروع حتى وإن لم تخدمه شخصيا أو تخدم بلده، فما إن تقل كفاءته تذهب ريحه وتكسر عصاه، فالسياسة إذًا حب وحرب، تحكمها المصالح والتخطيط لقيادة المساكين، بشقيها الداخلي والخارجي.

أنا لست صاحب رؤية سوداء، بقدر ما أنا متيقن من وجود أصحاب النزاهة والإرادة الحقيقية في بناء الأوطان، لكن ما هو السبيل في الوصول اليهم، في ظل الإعلام والترويج المتقن للفبركة والتضليل، زمن تشترى فيه الذمم وتباع، يصعب فيه الوصول إلى من يطابق ظاهره داخله.

كذلك فإن السياسة تخلق الحب والحرب مع من تشاء، بناء على أيديولوجيات ومخططات بعيدة المدى، من قبل العقول المدبرة عالميا، والتي باستطاعتها العبور بأفكارها عبر القارات، لا التي لا تتعدى حدود بلدها! والتي تشغل ماكينتها الإعلامية لإسقاط أبناء جلدتها. وهنا قد أعذر الكثير ممن ابتعدوا عن خوض غمار التجارب السياسية، نتيجة التحديات أعلاه، فالسياسة كرة من نار، إن لم تستطع معرفة ترويضها وتلاقفها بصورة حذرة، فقد تحترق بلهيبها.

انتهى الحب لداعش والحرب على العراق، فيا ترى من المحارب لاحقًا، ومن هو الحبيب!


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد